ألبرتو فينياتيلي .. مصمم القصور واليخوت يبوح بأنه يغير جلده حسب التغيرات

ألبرتو فينياتيلي .. الرجل الذي أطلق شرارة التصميم الإيطالي
ألبرتو فينياتيلي .. الرجل الذي أطلق شرارة التصميم الإيطالي

قلما يظهر شيء في عالم الموضة بلا خلفيات أو تبعات. فكل لفتة صغيرة تكون وراءها قصة كبيرة، أو على الأصح فكرة أو مشروع جديد. من هذا المنطلق، لم يبد وجود ألبرتو فينياتيلي، في عرض إيلي صعب الأخير بريئا.


ففينياتيلي هو الرجل الذي أسس ما يعرف بـ«لاكجوري ليفينغ» (Luxury Living) الذي يضم تحت جناحيه «كازا فندي» (Casa Fendi) و«كنزو ميزون» (Kenzo Maison) وكل ما يتعلق بهاتين الدارين العالميتين من ديكورات منزلية، كما أن الرجل وراء تصميم وتأثيث الكثير من القصور والبيوت الفخمة واليخوت.

خلال العرض، كان فينياتيلي مبهورا وهو يتابع بعينين تبرقان كل زي يمر أمامه متفحصا إياه من أعلى إلى أسفل، وكأنه يريد أن يسجل في ذاكرته ألوانه ونوعية قماشه ونقوشه، وعندما أطل إيلي صعب في آخر العرض ليحيي جمهوره، قفز هو مصفقا بحرارة غلب فيها عاشقات المصمم اللبناني العالمي اللاتي لم يكن قد التقطن أنفاسهن بعد.

وعلى الرغم من الفضول الذي أثاره حضوره، فإن الأمل كان منعدما في أن يبوح بالسر قبل أوانه، مما جعل هذا الحضور مجرد مؤشر مبشر لتعاون قد يكون قريبا بين الرجلين، خصوصا أن الاثنين مهتمان بتصميم اليخوت، وإن كنا لن نستغرب سماعنا بفنادق تحمل اسم إيلي صعب، على غرار فنادق لمصممين آخرين من أمثال «أرماني»، «ميسوني» وغيرهما، وهو بلا شك ما يتمناه أي شخص يعشق الأناقة الراقية والترف في أجمل حالاتهما.

المهم كان هذا الحضور فرصة لا تفوت، وكان لا بد من لقاء هذا الرجل الذي لم يغير رؤيتنا عن الديكور الداخلي فحسب، بل غير صناعة الديكور بشكل جذري منذ نحو أربعين عاما تقريبا.

وبالفعل كان الموعد ثم اللقاء في معرضه، أو شركته «لاكجوري ليفينغ»، التي يوجد مقرها في جورج V، المعروف بالمثلث الذهبي بباريس. وهو معرض يتألف من ثلاثة طوابق، ويحتل مساحة 900 متر مربع يريدها فينياتيلي أن تستقطب زبائن يريدون تأثيث بيوتهم ويخوتهم، وأيضا مصممين يرغبون في استلهام أفكار جديدة.

بمجرد أن تدخل المعرض وتلقي نظرة بانورامية على الأجواء، ينتابك شعور أن كل ما فعله هذا الرجل المفعم بالحيوية والنشاط، أنه استغل بذكائه الفني وحسه التجاري ما نعرفه جميعا من أن طريقة ارتدائنا لأزيائنا، وأسلوب حياتنا، وكيفية تأثيث بيوتنا، كلها أمور تعكس شخصيتنا ومركزنا الاجتماعي والاقتصادي.

بعبارة أخرى، أن كل واحد منا، بغض النظر عن ميوله وجنسيته، يطمح إلى بيت مريح ومرفه يعزز هذه المكانة ويعكس نجاحه، بحيث يمكنه أن يعود إليه في آخر النهار بعد يوم عمل طويل فيشعر بأنه في مملكته الخاصة، أو أن يدعو إليه الأهل والأصدقاء ويشعر بالزهو وهو يستعرض أسلوبه الخاص من خلال الألوان والتصميم وقطع الأثاث التي اختارها بدقة.

لكن جولة في طوابق المعرض الثلاثة، تبين أنه أيضا يدور في فلك الـ«هوت كوتير»، لأنك فيه تستطيع أن تحصل على أي شيء تقع عليه عيناك، مع إمكانية تغييره حسب ذوقك من حيث الألوان والأقمشة وباقي الخامات. ليس هناك أي شيء مستحيل أو غير ممكن حسب ما قاله ألبرتو فينياتيلي بفخر. فمهندسو الديكور والطبقات الثرية والمخملية رفعت سقف الترف إلى مستوى عال بات يتطلب تصميما وهندسة وديكورات فريدة، ولا بأس أن يتقاطع فيها عالم الديكور بعالم الأزياء والموضة عموما.

فأزياء «فندي» المشهورة بفروها وأناقتها الراقية تؤثر على ما تطرحه الدار من قطع أثاث وغيرها، بنفس تأثير دار «كنزو» المعروفة ببوهيميتها وألوانها الصارخة ونقوشاتها المتضاربة التي تميل إلى الترحال إلى ثقافات بعيدة والغرف من الإثنية أينما كانت. لكن في كل الحالات تبقى الكلمة الأخيرة لصاحب البيت الذي يمكنه أن يمزج كل الأساليب أو يطوعها حسب ذوقه.

طوال حديثه، لم يحاول ولو مرة أن يخفي حسه التجاري من أجل إبراز الجانب الفني، بل العكس، كان فخورا بكل عنصر من عناصر نجاحه «أنا أفتخر بأننا نلبي كل الأذواق. ففي حين أن أمثال رالف لورين لهم أسلوب واحد يميزهم، فإن لدينا أكثر من أسلوب، كما أننا لسنا مثل جيورجيو أرماني.

فهذا الأخير يصمم حسب ذوقه وأسلوبه الخاص، أي ما يروق له شخصيا، أما أنا فلا أمتلك تلك الرفاهية، وعلي أن آخذ بعين الاعتبار ما يريده الزبون، لهذا تجدين أنني منفتح على كل شيء. فقد لاحظت مثلا أن الذوق السعودي تغير في السنوات العشرين الأخيرة. فالجيل الشاب درس في الخارج مما أثر على ذوقه، والآن هو يريد كل ما هو بسيط وفي الوقت ذاته مرفه».

هذه المتابعة لإيقاع الحياة وتغيرات العصر كانت من أسباب نجاحه واستمراره رغم الأزمات، فمثلا يرى أن أسلوب «القليل كثير» بدأ يتوارى اليوم لصالح التميز والقطع الفريدة التي تضفي فخامة وحميمية على المكان. ثم يعود بذاكرته إلى نقطة البداية، ليقول «أسعفني الحظ واشتغلت في حقبة كان فيها باب الإبداع مفتوحا على مصراعيه.

فعندما بدأت كانت هناك ثلاث شركات إيطالية فقط، تقتصر على صناعة كنبات بأشكال تقليدية، ولم يكن مفهوم التصميم المنزلي قد تبلور في إيطاليا بعد.

فكل ما كان ينتج في ذلك الوقت، كان عبارة عن قطع أثاث تم تنجيدها باستخدام قوالب من المطاط الرغوي، وإذا أردت قالبا مختلف الشكل، حتى لو كان لمجرد وسادة، كانت العملية تستغرق شهورا لإنجازها».

ما يشير إليه فينياتيلي أنه طور تقنية العمل بكتل من مادة البولي يوريثان، محققا ثورة في مجال صناعة الأثاث، لأن هذه التقنية الجديدة آنذاك مكنت المصممين من التفكير في تصاميم جديدة يمكنهم ابتكارها بسهولة وفي وقت قياسي ومن دون استعمال قوالب. وهذا ما فتح الباب أمام تطور التصميم الإيطالي.

وفي عام 1972، ابتكر فينياتيلي أنظمة النوم، وهي أول شركة إيطالية متخصصة في إنتاج أسرة منجدة تجمع الجودة العالية بالتصميم الأنيق. ولم تمر سوى ثلاث سنوات على هذا حتى توسعت شركته بتزايد الطلبات على منتجاته. شعر حينها بأنه بات عليه أن يتخذ قرارا مهما «حينها قررت أن آخذ زمام الأمور بيدي، وأن أتحكم في عملية الإنتاج كلها عوض الاكتفاء بتطوير منتجات غير مكتملة حصلت عليها من شركات أخرى».

وهكذا ولد مفهوم جديد للديكور، حيث ولدت تقنيات جديدة، وظهر مهندسون مبدعون بأفكار عصرية، مما جعل الحصول على البيت الفخم أو اليخت الحلم حقيقة مقدورا عليها إذا توافرت الإمكانات المادية.

أما بالنسبة لنقطة التحول في مسيرة ألبرتو، فكانت دخوله في شراكة استمرت 15 عاما، مع شركة «فيات» بإنتاج كل ما يتعلق بسياراتها من الداخل، ثم عمله مع دار أزياء «فندي» منذ عام 1989 بإنتاج خط الدار المنزلي «Fendi Casa» الذي حقق نجاحا عالميا.

وسرعان ما أصبحت شركته الخاصة «Club House Italia» شركة قابضة تلبي حاجيات الكثير من الأسواق، خصوصا بعد أن حصل على «ميزون كنزو» (Maison Kenzo) أيضا، وهي مجموعة خاصة بالديكور المنزلي تخاطب شرائح مختلفة، أكثر شبابا، بنقوشاتها الواضحة وألوانها الساطعة.

ورغم الاختلاف الكبير بين داري الأزياء هاتين، «فندي» و«كنزو»، فإنه يؤكد أن الأمر يصب في صالح الأناقة والتنوع، علما أنه بالإمكان التخفيف من ألوان «كنزو» الساطعة ونقوشاتها المتضاربة، حسب الطلب «إنه خط حيوي موجه إلى شريحة الشباب، يتميز بالأناقة ويشمل كل شيء تقريبا من السجاجيد، الأباجورات، الكنبات، الأسرّة والمفارش وغيرها، ويمكننا تغيير الأقمشة والألوان حسب رغبة الزبون».