الدليل الكامل لعلاج «الاضطراب الانفجاري المتقطع»
قد يتحول أي شخص طبيعي يتسم بالهدوء والرصانة، بعد تعرضه لتوتر أو إجهاد شديد، إلى شخص غاضب، يصل به غضبه إلى حد الاعتداء. إلا أن هناك بعض الأشخاص يفقدون أعصابهم بشكل متكرر بعدما يتراكم التوتر لديهم حتى يصل بهم إلى نقطة الانفجار.
وقد أطلق على مثل هذه الحالة الأخيرة منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، اسم «الاضطراب الانفجاري المتقطع» intermittent explosive disorder (IED). وهو الاضطراب الذي يتسم بظهور ردود فعل غاضبة شديدة، غير متناسبة، تقود إلى أضرار خطيرة باستخدام عبارات، أو أفعال، عدوانية.
كما وجد المسح الاستطلاعي أيضا أن الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب يكونون في أعمار الشباب في الأغلب، غالبيتهم من الذكور. وفي الحالات الشديدة (التي تتسم بحدوث 3 هجمات غضب في السنة على الأقل)، قد تحدث لدى الشخص المصاب بالاضطراب الانفجاري المتقطع 12 هجمة غضب تؤدي إلى أضرار تتطلب رعاية طبية أو تتسبب في خسارة آلاف الدولارات نتيجة الأضرار التي لحقت بالممتلكات.
وتظل هذه المشكلة الصحية مثيرة للجدل خصوصا عندما يتم تشخيصها لدى شخص تم حجزه بسبب أفعاله العدوانية. ولا تزال البيانات الوبائية (الخاصة بانتشار هذه الاضطراب) محدودة، كما أن الاضطراب يتشابه مع الكثير من الاضطرابات الأخرى، التي تتجلى فيها أفعال السلوك العنيف والعدواني.
كما يوجد تفاوت واسع في كيفية تشخيص الاضطراب؛ تختلف بين طبيب وآخر. ومع كل هذا، فإن العواقب المترتبة، سواء بالنسبة للمصاب بهذا الاضطراب أو لضحاياه، عالية جدا بحيث يتطلب الأمر إجراء تدقيق للجوانب البيولوجية لمجموعة المصابين بهذا الاضطراب.
وقد افترضت عدة دراسات ارتباط هذا الاضطراب مع النشاط غير الطبيعي للناقل العصبي «سيروتونين» serotonin في بعض أجزاء الدماغ. ويلعب السيروتونين دورا في تنظيم، بل وفي تثبيط، السلوك العدواني.
وعموما، فإن الأفعال العدوانية المندفعة ترتبط، عموما، بانخفاض نشاط السيروتونين وكذلك مع حدوث أضرار لحقت بقشرة الدماغ الأمامية (ناصية الدماغ) prefrontal cortex، التي يقع فيها مركز المحاكمة العقلية وضبط النفس. ووجدت إحدى الدراسات أن نتائج الاختبارات العصبية - النفسية للأشخاص المصابين بالاضطراب الانفجاري المتقطع كانت متماثلة مع الأشخاص الذين يعانون من أضرار في ناصية الدماغ.
وقد تلقى الكثير من الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب بعض أنواع علاج الأمراض العقلية، إلا أن أقلية منهم تمت معالجتهم خصيصا من الاضطراب الانفجاري المتقطع؛ أقل من 20 في المائة وفقا لنتائج لاثنين من المسوحات.
أما الذين لا يتناولون أي علاج، فإنهم ينتظرون في الغالب عقودا من السنين بعد ظهور أعراض الاضطراب قبل أن يتوجهوا لطلب المساعدة، وفي أغلب الأحيان، بعد وقوع أعمال عدوانية قوية أو عند طلبهم مساعدة طبية لعلاج اضطراب من نوع آخر.
وتظل الأبحاث محدودة حول العلاج بالأدوية. ويوجد عدد من الأدوية التي يعرف عنها فاعليتها في تخفيف العدوانية ودرء نبات الغضب المتهور، ومنها مضادات الاكتئاب (وتحديدا: مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائية selective serotonin reuptake inhibitors)، وأدوية إعادة استقرار المزاج (الليثيوم ومضادات التشنجات)، والأدوية المضادة للهوس.
وفي إحدى الدراسات، أظهر المصابون بالعدوانية الاندفاعية من الذين تناولوا أحد مثبطات استرجاع السيروتونين الانتقائية وهو عقار «فلوكسيتين» fluoxetine (بروزاك» Prozac) نشاطا متزايدا في ناصية الدماغ.
ووجدت تلك الدراسة التي نشرت عام 2009 وأجريت على 100 مريض أن أولئك الذين تناولوا هذا العقار لمدة 12 أسبوعا حصل لديهم انخفاض ملموس من الناحية الإحصائية في السلوك العدواني الاندفاعي مقارنة بالآخرين الذين تناولوا علاجا وهميا.
إلا أن الباحثين حذروا من أنه ورغم أن تأثير العقار يبدو قويا، فإن أقل من نصف الذين تناولوا العقار فقط قد شفوا من المشكلة جزئيا أو كلية.
وقد قارنت دراسة مراقبة عشوائية صغيرة لباحثين في جامعة شيكاغو بين العلاج السلوكي المعرفي الفردي والجماعي لعلاج المصابين بالاضطراب الانفجاري المتقطع من جهة، وبين المصابين بالاضطراب من المسجلين في قائمة الانتظار لمعالجتهم.
وبعد إتمام 12 جلسة من هذا العلاج، أصبح المشاركون أقل عدوانية وأقل غضبا، وأقل اكتئابا بشكل ملموس مقارنة بمجموعة المراقبة. أما الذين حضروا جلسات العلاج الفردية، فقد قالوا إن جوانب حياتهم العامة قد تحسنت. وظلت متحسنة على مدى الأشهر الثلاثة اللاحقة.
وفي ظهور حالات الاضطراب الانفجاري المتقطع في سن مبكرة نسبيا (في سن 13 لدى الذكور و19 لدى الإناث في المتوسط، وفقا لإحدى الدراسات)، فإن وضع برامج مدرسية للحد من العدوانية قد يساعد في تشخيص الاضطراب لدى المراهقين وحثهم على البحث عن علاج له.








