هل يقي الأسبرين فعلا من أمراض القلب والشرايين ؟

ومن شأن الأسبرين ان يزيد من تأزم التقرحات التي تسببها عدوى الاصابة ببكتريا «هيليكوباكتر بابلوري»
ومن شأن الأسبرين ان يزيد من تأزم التقرحات التي تسببها عدوى الاصابة ببكتريا «هيليكوباكتر بابلوري»

 كمبردج (ولاية ماساشوستس الأميركية) هل تشكو من علة في القلب، او قد يكون الاطباء وجدوا دليلا على وجود تصلب في شرايينك؟.. النصيحة عند ذاك واضحة وطبيعية، وهي ان تناول جرعة يومية من الأسبرين من شأنها تخفيف فرص الوفاة بنوبة، او سكتة قلبية.


ورغم ان هناك بعض الجدل الدائر حول الجرعة المناسبة، الا ان اغلبية الدراسات اظهرت ان جرعات صغيرة هي بالفاعلية ذاتها، ان لم تكن افضل من الكبيرة. لذلك فان النصيحة العادية هي تناول 75 الى 162 مليغراما يوميا من الأسبرين، اما في الولايات المتحدة فان الجرعة الصغيرة تأتي بعيار 81 مليغراما.

لكن الامر المثير للحيرة هو ان الأسبرين ليس حياديا بالنسبة الى جنس الفرد ذكرا كان ام انثى، بالنسبة الى الافراد الذين لا يعانون من مشكلة في القلب، فهو يخفض هنا مخاطر النوبات القلبية لدى الرجال، ولكن ليس (مخاطر) السكتة الدماغية.

اما بالنسبة الى النساء، فالدلائل تشير الى العكس، اذ يخفض الأسبرين مخاطر السكتات الدماغية، ولكن ليس النوبات القلبية. وما اذا كان تعاطي الأسبرين بشكل منتظم يخفض مخاطر الوفاة المبكرة لدى الاشخاص الذين لا يعانون من امراض الشرايين والقلب، فهو امر ما يزال قيد النقاش، خاصة لدى النساء.

الأسبرين والنساء
وكان عدد من التجارب الخاصة بالوقاية التي اجريت وشملت نساء، اظهرت انه لا يوجد فرق بين قرص الأسبرين والقرص الوهمي لدى ملاحظة معدلات الوفيات. وقد اجريت دراسة خاصة بـ«صحة النساء» من قبل الكلية الطبية في جامعة هارفارد، وكانت قد صممت للمساعدة في حسم هذه المشكلة.

وشملت الدراسة التي حظيت برعاية الحكومة نحو 40 الف امرأة تتراوح اعمارهن بين 45 سنة وما فوق، واللواتي ليست لديهن اي تاريخ بامراض القلب، او السرطان. وقامت المجموعة الخاصة بالأسبرين بتناول قرص عيار 100 ملغ يوميا لمدة عشر سنوات.

ونشرت النتائج في مجلة «نيو انغلند» الطبية في العام 2005، والتي اظهرت ان كل هذا الأسبرين الذي جرى استهلاكه ليس افضل من الاقراص الوهمية في ما يتعلق بوقاية النساء ضد النوبات القلبية والوفاة من امراض تتعلق بالاوعية والشرايين، رغم انها تركت أثرا بنسبة 24 في المائة، مقوضاً لخطر تكون الجلطات الدموية لديهن.

ولكن في مارس (آذار) الماضي قام فريق آخر من باحثي الكلية الطبية في هارفارد برصد تحول في هذه المسألة بعد اصدار تقرير ايجابي جدا يتعلق بالأسبرين.

وعن طريق تحليل المعطيات الصادرة عن الدراسة الطويلة التي تجريها «صحة الممرضات»، وجدوا ان تعاطي الأسبرين بشكل منتظم أخر من زحف بعض المخاطر المهمة كالنوبات القلبية (بنسبة 38 في المائة) والسكتات الدماغية القاتلة (بنسبة 38 في المائة ايضا)، والوفاة من جراء داء السرطان (12 في المائة)، والوفاة من اسباب اخرى (25 في المائة).

والاكثر من ذلك فان الوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية يبدو انها تبدأ خلال السنوات الاولى من استخدام الأسبرين. وهكذا فقد حصلنا على نتائج سلبية من دراسة «صحة النساء» والتجارب السريرية العشوائية الاخرى، ونتائج ايجابية من دراسة «صحة الممرضات»، فهل يمكن التوفيق بينهما؟

أوجه التوافق
الاقرار بانه ولا جهة من هاتين الجهتين تحتكر الحقيقة، هو افضل وسيلة للشروع في تبيانها. والدراسات السريرية العشوائية تجري عادة وفقا لمعايير ذهبية عالية في ما يتعلق بالبحوث الطبية، لكن اسلوبها يستدعي التساؤل عن مدى تطابق هذه النتائج بسبب العدد الصغير من المشاركين في الدراسة ومدتها، او بسبب الاثنين معا، ثم هناك مشكلة اخرى، وهي ان الاشخاص في الدراسة السريرية لا يلتزمون بالضرورة بالمعالجة (أو حتى بالاقراص الوهمية) التي عينت لهم اصلا.

والنتائج من دراسات المراقبة مثل دراسة «صحة الممرضات» يمكن تفسيرها ايضا بشكل حذر، فالأشخاص الذين لهم عادة صحية واحدة يميلون الى امتلاك عادات اخرى، والنساء اللواتي يتناولن الأسبرين لأغراض المنفعة الصحية قد يكن ايضا اكثر ميلا لممارسة التمارين الرياضية وتناول الاطعمة الصحية من فواكه وخضار والقيام بالخيارات الاخرى التي تحافظ على شرايينهن وقلوبهن في حالة صحية جيدة، فكيف يمكن اذن اعطاء الأسبرين ما يستحقه من الافضال؟

بمقدور الباحثين اجراء تعديلات احصائية لمعرفة ذلك، لكنهم لا يستطيعون بالتمام تقرير ما اذا كان الأسبرين وحده مسؤولا عن تحسن الصحة.

ويمكن التوفيق بين النتائج المتناقضة ايضا عن طريق البحث عن ارضية مشتركة التي قد نجد فيها اكثر مما يبدو للعيان، وأكثر الدراسات اظهرت انخفاضا في مخاطر السكتات الدماغية على سبيل المثال.

كذلك هناك نوع من الاتفاق المهم في ما يتعلق بالعمر، وكانت النتائج الاجمالية الناجمة عن دراسة «صحة النساء» سلبية، لكن عندما قام الباحثون بتجزئتها وفقا لمجموعات العمر وجدوا ان الأسبرين يخفض من مخاطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية لدى النساء البالغات من العمر 65 سنة وما فوق.

واظهرت نتائج دراسة «صحة الممرضات» ايضا ان الأسبرين بات واقيا بشكل متزايد ضد الامراض القلبية والشريانية مع تقدم العمر، وعندما قامت جمعية القلب الاميركية باعادة تنقيح ارشاداتها للعام الحالي الموجهة للنساء للوقاية من الامراض، اكدت هذه الجمعية على ان يكون العمر هو العامل الذي يقرر استخدام الأسبرين ام لا.

وتقول هذه التوجيهات انه يتوجب على النساء اللواتي لم يبلغن سن الخامسة والستين عدم تناول الأسبرين بشكل روتيني لتخفيض مخاطر النوبات القلبية، لكن يتوجب على النساء اللواتي تجاوزن هذه السن الاخذ بالاعتبار تناوله بعد موازنة المنافع والأخطار، وأفضل طريقة في تنفيذ ذلك هو طلب مشورة الطبيب.

تناول الاسبرين
اليكم النقاط السبع التي قد تساعد في تقرير ما ان كان يجب تناول مقادير ضئيلة من الأسبرين بشكل منتظم:

1 ـ ينبغي التحدث الى الطبيب اولا، لان الأسبرين حتى بجرعات ضئيلة جدا للوقاية من امراض القلب والشرايين فانه قد يسبب نزيفا معويا في المعدة وزيادة خطر النزف الداخلي. وبمقدور الطبيب المطلع المساعدة في موازنة هذه الاخطار التي هي ضئيلة جدا مقابل الفوائد المجتناة.

2 ـ لا يوجد اي تناقض اذا كنت قد عانيت من نوبة قلبية كبيرة بضرورة تناول الأسبرين، اذ توجد ادلة قاطعة بالنسبة الى الرجال والنساء على السواء الذين يتناولون الأسبرين بانتظام بانه يخفض مخاطر حصول نوبة ثانية، او سكتة دماغية.

3 ـ كلما كانت مخاطر امراض القلب والشرايين عالية كلما كانت الفوائد افضل. والرجال والنساء الذين يكسبون اكثر من تعاطي الأسبرين هم اولئك الذين يعانون من عوامل خطورة كبيرة للاصابة بها. ويبدو هذا من القناعات الشائعة، لكن كثيرا ما دلت الابحاث ان القناعات الشائعة هي على خطأ. ولكن في مثل هذه الحالة فانها صحيحة.

4 ـ اكشف على عوامل الخطورة لديك. وعتبة «الخطورة العالية» تراوح كما هو اسلوب تقدير ذلك. والكثير من هذه الارشادات تستعين بمعادلة خاصة بالخطورة ترتكز على المعطيات المستخلصة من دراسة «فارمينغهام هارت ستدي»، فبعد ان تدخل جنسك وعمرك ومستويات الكولسترول والعوامل الاخرى، تقوم المعادلة بتقديم توقع حول مدى احتمال اصابتك بنوبة قلبية، او الوفاة من اسباب لها علاقة بامراض القلب على مدى السنوات العشر المقبلة.

ويمكن الحصول على حسابات المخاطر وترتكز هذه المعادلة، على الموقع التالي على الانترنت: www.health.harvard.edu/104 

5- يتوجب على الرجال تناول الأسبرين في سن مبكرة، كما يتوجب على الاشخاص من ذوي الخطورة في ما يتعلق بأمراض القلب والشرايين تناول الأسبرين عندما يبلغون سن الاربعين، وليس من الواضح تماما ماذا يتوجب على النساء ان يفعلن رغم وجود ادلة متزايدة على ان النساء في سن الـ65 وما فوق ينبغي بالاستشارة مع اطبائهن، تناول الأسبرين لحماية انفسهن من النوبات القلبية والسكتات الدماغية.

6 ـ الاشخاص الذين يعانون من السكري عليهم تناول الأسبرين في سن الـ40 سنة. والسكري هو من الخطورة بالنسبة الى الامراض القلبية بحيث ان الشباب المصابين بهذا الداء عليهم تعاطي الأسبرين حتى لو لم يكونوا يشكون من اي عوامل خطورة اخرى تتعلق بامراض القلب والشرايين.

7 ـ لا حاجة مطلقا لجرعات كبيرة من الأسبرين الذي يقي من الامراض القلبية عن طريق جعل الصفائح الدموية اقل التصاقا بعضها ببعض مما يقلل بدوره من احتمالات الخثرات الدموية. وهذه الصفائح حساسة جدا للاسبرين. وجرعاته الصغيرة 75 الى 160 مليغراما يوميا هي بفعالية الجرعات الكبيرة، كما انها اقل احتمالا في التسبب بنزيف المعدة والامعاء.

الأسبرين ونزف الدم
الغلاف العازل لقرص الأسبرين قد لا يساعد على وقف حدوث التقرحات، ان تناول الأسبرين بشكل منتظم قد يحول دون حصول النوبات القلبية او السكتات الدماغية، لكن في بعض الاحيان يقوم المجرى الهضمي الاعلى بتسديد فاتورة كبيرة مقابل وقاية القلب والشرايين، لان الأسبرين يسبب التقرحات، وهي رقع من النسيج المتآكل والملتهب في بطانة المعدة والمريء، كما انه يميل ايضا الى جعل هذه التقرحات اكثر ميلا الى النزف عن طريق جعل الصفائح اقل التصاقا بعضها ببعض، مما يقلل من احتمالات تخثر الدم.

وهذا هو بالطبع ايضا السبب الذي يحول دون حصول النوبات القلبية والسكتات الدماغية، والتاريخ الطبي المهني حافل بمثل هذه السيوف المزدوجة الحد.

وخطورة النزف هي ضئيلة لكنها موثقة جيدا، استنادا الى تحليل اجري قبل سنوات، اذ انه بين كل الف شخص يتناولون الأسبرين المنخفض الجرعة لأغراض الوقاية من امراض القلب والشرايين هناك 2 الى 4 في المائة كمعدل عام الذين تتطور لديهم حالات كبيرة من النزف المعوي او في جهاز الهضم.

ويمكن محاولة الحد من التأثيرات الجانبية في الجهاز الهضمي بأساليب متعددة. والنصيحة العامة المتبعة هي تناول الأسبرين مع وجبة غذاء، أو قد يصف لك اطباؤك مثبطا للضخ البروتيني (نيكسيوم، بريلوسيك Nexium, Prilosec او غيرها) وهي انواع من الادوية التي تقلل من حوامض المعدة. وكان الباحثون قد ذكروا ان مثل هذه العقاقير قد تتداخل مع امتصاص الأسبرين، لكنه كان اكتشافا اوليا.

ومن شأن الأسبرين ان يزيد من تأزم التقرحات التي تسببها عدوى الاصابة ببكتريا «هيليكوباكتر بابلوري».

وفي مثل هذه الحالات يسمح القضاء كليا على العدوى بتناول الأسبرين بصورة اكثر. وتنطوي عادة عملية القضاء على هذه العدوى على ما يدعى العلاج الثلاثي، الذي يتألف من تناول نوعين من المضادات الحيوية مع عقار للمعدة مثل مثبط الضخ البروتيني.

واكثر الاساليب شعبية للتعامل مع تأزم الجهاز الهضمي بسبب الأسبرين هو تناوله على شكل اقراص مغلفة. وغالبية مثل هذه الاقراص تأتي بهذه الشاكلة. لكن ان كنت تبحث عن وقاية للمعدة فان مثل هذا الغلاف، او الطلاء قد لا يؤمنه.

ولدى تناول الأسبرين الصافي، اي من دون اي طلاء، تقوم المعدة والجزء الاعلى من الامعاء الدقيقة بامتصاصه ليتحول الى مجرى الدم بسرعة مما يرفع منسوبه هناك خلال 30 الى 40 دقيقة من تناول القرص.

وغلاف الأسبرين مصنوع من منتج اساسه السيليلوز. وهو مصمم بحيث يتجاوز القرص المعدة التي هي حامضة جدا ليذوب بدلا من ذلك في الامعاء الدقيقة الاكثر حيادا. (واحيانا يدعى الأسبرين المغلف enteric coated. وenteric اصلها يوناني وتعني الامعاء).

من هنا فان تحويل امتصاص الأسبرين الى اسفل المجرى، او الجهاز الهضمي الى الامعاء الدقيقة يبطئ من معدلات امتصاص الأسبرين لترتفع معدلاته في الدم بعد ثلاث الى اربع ساعات بدلا من نصف ساعة. كما ان التغليف هذا قد يخفض من نوعية الأسبرين النشيط وجودته بنسبة 25 في المائة تقريبا.

ومع ذلك فان الجرعات المنخفضة جدا من الأسبرين تجعل الصفائح اقل التصاقا بعضها ببعض. ويمكن رؤية تأثيرها حتى بنسبة 30 مليغراما يوميا، وليس واضحا ما اذا كان الامتصاص البطيء للاسبرين، او الاقل فعالية يؤثر كثيرا.

وفي مايو (ايار) من العام الماضي افاد الباحثون في «كليفلاند كلينيك» ان نتائج بحثهم اظهر انه لا يوجد فرق في عامل منع تخثر الدم بين الأسبرين العادي والأسبرين المغلف لدى تناول اقراص عيار 81 مليغراما. وبعد مضي أشهر نشر الباحثون الايرلنديون دراسة تقول ان الأسبرين العادي غير المغلف هو افضل.

ووفقا لحساباتهم فان القرص المغلف عيار 100 مليغرام من شأنه ان يوفر وقاية ضد التخثر مثل القرص العادي غير المغلف عيار 75 مليغراما. لكن السؤال الآخر الذي يتبادر الى الذهن في ما يتعلق بالأسبرين المغلف هو ما اذا كان يقي فعلا المعدة، اذ تعمل العيارات الصغيرة من الأسبرين عن طريق تثبيط الانزيم «كوكس ـ1» مما يقلل من مستويات الـ«ثرمبوكسايين أيه2»، وهو الغرو (الصمغ) الذي يجعل الصفائح تلتصق بعضها ببعض.

لكن تثبيط انزيم «كوكس ـ1» يعطل ايضا البروتينات التي تلعب دورا بارزا في قدرة بطانة المعدة والجهاز الهضمي على ترميم ووقاية ذاتها.

والافتراض الكامن خلف التغليف هو ان التهيج المعدي الذي يسببه الأسبرين يأتي من تلامسه مع بطانة المعدة. لكن البروتينات الواقية في بطانة الجهاز الهضمي تتأثر بتثبيط «كوكس ـ1» بغض النظر عن كيفية دخول الأسبرين الى الجسم، بما في ذلك عن طريق الامعاء الدقيقة الذي سببه تغليف القرص.

وكانت دراسات تعود الى اواخر التسعينيات وجدت ان الأسبرين العادي والمغلف يسببان الكمية ذاتها من القروحات وعمليات النزف، مما يعني تعطيل صحة الفكرة السائدة حول الاقراص المغلفة، استنادا الى هارولد ديماناكو كبير الصيادلة في مستشفى مساتشوسيتس العام.