الجلد الخفيف الدافئ .. تطور تقنياته أكسبه ملمس الحرير ونعومة الدانتيل

حرب الأزياء والموضة جزء من الحرب السياسية الأميركية هذه الأيام، فلا شيء يمر مرور الكرام، بدءا من رابطة عنق ميت رومني أو لون قميص باراك أوباما. لكن الحرب تزيد سخونتها بين الزوجات دائما، ربما لأن المجال مفتوح أكثر بالنسبة لهن للاختيار.
فبينما تقتصر أزياء الرجل على البذلة والقميص ورابطة العنق، وما إذا كانت السترة مزدوجة أو بصف أزرار واحدة، فإن أزياء المرأة لا تنتهي من ألوان براقة إلى تصاميم متنوعة وخامات حديثة وغريبة أحيانا.
خلال الحملة الجارية، شدت ميشال أوباما الأنظار بأناقتها وجرأتها، إلى حد ما، في اختيار الألوان والقصات، مما أكسبها الكثير من أصوات المتابعين للموضة. 
بيد أن آن رومني زوجة المرشح الجمهوري، ميت رومني، تعلمت منها بسرعة، وبدأت تنافسها في جرأتها بمعانقتها أساليب لم تكن منتظرة، إلى عهد قريب، من سيدة تسكن البيت الأبيض أو تحلم بدخوله، لا سيما إذا كانت تنتمي إلى الحزب الجمهوري، الذي تعرف نساؤه بميلهن إلى موضة كلاسيكية ومضمونة تعتمد على أسماء كبيرة ومخضرمة، نذكر منها أوسكار دو لارونتا أو كارولينا هيريرا مثلا عندما حضرت إلى برنامج «تونايت شو» منذ نحو شهر تقريبا فاجأت الحضور والمشاهدين بارتدائها تايورا من الجلد. 
فهذه الخامة بالذات لها إيحاءات خاصة، ظلت لصيقة بها إلى عهد قريبا، حين نجح المصممون الشباب في التخلص منها إلى حد كبير، بفضل التصاميم الأنيقة والكلاسيكية من جهة، وبفضل التقنيات الحديثة والمتطورة التي جعلته يبدو مثل الحرير أحيانا والدانتيل أحيانا أخرى، إلا أنه مع ذلك يبقى مرتبطا بشريحة معينة من النساء، أو بالأحرى شريحة من سن معينة أو ثقافة معينة.
غني عن القول إن مظهر آن رومني أثار الكثير من الجدل، إذ كتبت مجلة «نيويورك» أنها كانت «مثيرة وغير معقولة»، بينما نشرت «ذي هافينتون بوست»: «أكثر الإطلالات جرأة لحد الآن».
وسواء أكانت الانتقادات لصالح آن رومني أم ضدها، فإن المؤكد هو أن الجلد أصبح خامة سائدة، مثله مثل الحرير أو الدانتيل أو الكشمير والصوف بعد أن طوعه المصممون وجعلوه أكثر خفة وجمالا وألوانا.
فهذه الخامة مرت بعدة مراحل عبر التاريخ قبل أن تكسب القلوب، وتتخلص من إيحاءاتها التي كانت مرتبطة، إلى حد كبير، بسائقي الدراجات النارية وثقافتهم، فضلا عن مغنيي الروك آند رول ومفهوم الماسوشية والسادية في بعض الأوساط.
لكن، إذا كانت هناك أي إيحاءات مثيرة للغرائز فيه الآن، فهي أنثوية وراقية بدليل ما تقدمه «هيرميس» و«غوتشي» و«بوتيغا فينيتا» و«ديور» و«لويفي»، وغيرها من بيوت الأزياء العالمية التي تتوجه لامرأة نخبوية وثرية على حد سواء. 
وإذا كان تنسيقه في السابق يتطلب الكثير، فإنه الآن لا يحتاج سوى لبعض الذوق والبساطة.
فمثلا بنطلون من الجلد لا يحتاج سوى إلى «تي - شيرت» أو كنزة صوفية لتكتسب الإطلالة أناقة لا يعلى عليها.
وهذا ما أكسبه أيضا مرونته التي بدأت تنافس، في الكثير من الحالات، بنطلون الجينز، مع فرق بسيط أنه أكثر جاذبية وأنوثة إذا كان بنوعية جيدة. حتى في مناسبات المساء والسهرة، يمكن تنسيقه مع جاكيت «توكسيدو»، وها أنت مستعدة لمواجهة غريماتك في سباق الأناقة، وأنت واثقة ومتأكدة بأنك ستخرجين منها منتصرة. 
يقول جوهان ليندبورغ، من شركة «بي إيل كي دي إن إم»، المشهورة بجاكيتات الجلد المستوحاة من سائقي الدراجات النارية والبنطلونات الجلدية الضيقة، إن انتشار هذه الخامة يعكس تغير الأدوار. فالمرأة أصبحت أكثر استقلالية وثقة، مما يجعلها تميل إلى ارتداء ما يعكس قوتها هاته، وليس هناك أفضل من الجلد ليقوم بهذه المهمة. 
ويضيف أن المرأة تبدو جذابة في أي قطعة من الجلد حتى في المناسبات الكبيرة، مشيرا إلى الممثلة كريستين ستيوارت التي تألقت في شهر مايو (أيار) الأخير بفستان من «بالنسياجا» بثنايا تتخللها قطع من الجلد بألوان مختلفة، في حفل متحف المتروبوليتان بنيويورك.
المصممة دوناتيلا فرساتشي، تتفق مع هذا الرأي، وطبقته في تشكيلتها الأخيرة التي ضمنتها مجموعة مثيرة من الجلد، عبارة عن فساتين ضيقة عند الصدر ومعاطف واسعة مرصعة بأحجار شواروفسكي.
في لندن، عاصمة الجموح والفنون، أيضا اجتاح الجلد الكثير من العروض، بدءا من عرض عثمان يوسف زاده الذي ظهر فيه بألوان البيج والكريم في فساتين وتنورات وجاكيتات مفصلة، ممزوجا أحيانا بقماش البروكار لمزيد من الفخامة، فضلا عن محاولة ناجحة لإدخاله مجال المساء والسهرة.
المصمم تود لين أيضا، اختاره بالأسود في فساتين ضيقة وخفف من قوته بإضافة أشرطة.
لكن الحديث عن الجلد لا يكتمل من دون الحديث عما تتحفنا به «هيرميس» - الدار المتخصصة في هذا المجال التي تقدمه لنا كل موسم بشكل.
لهذا الموسم، اختار مصممها كريستوف لومير أن يأخذ امرأته النخبوية في رحلة مترفة تحتاج فيها إلى أزياء متنوعة لشتى المناسبات وبالتالي بشتى الخامات، كان الجلد واحدا منها.
وربما يكون هو أكثر ما شد الانتباه فيها نظرا لنعومته التي جعلت سطحه يتراقص مع كل خطوة أو التفاتة تقوم بها العارضة، عاكسا الكثير الضوء. 
اقتراحات الدار كانت كثيرة، تتباين بين التنورات الطويلة والمعاطف والفساتين المبتكرة التي يمكن ارتداؤها بأشكال مختلفة، وفي كل مرة تعطي مظهرا متجددا وجديدا، لكن في كل الحالات يبقى المظهر راقيا.
المثير فيها أيضا أن المصمم أكسبها أنوثة مضاعفة عندما نسقها مع قطع رجالية، وعوض أن تكون النتيجة صارمة وقوية، جاءت خفيفة الظل، تلعب على مفهوم الرجولة والأنوثة بشقاوة مثيرة.
هذه الشقاوة التي كان الغرض الأساسي منها التخفيف من قوة الجلد، ظهرت في عرض «لويفي» أيضا، خصوصا أن الألوان جاءت داكنة إلى حد كبير.
كانت هناك الكثير من الخدع البصرية، على شكل جيوب وأحزمة من نفس الخامة، لكن تبقى الفساتين والمعاطف الخفيفة أجمل ما في هذه التشكيلة. فإلى جانب وزنها الخفيف الذي كانت تؤكده حركته، فإن تصاميم الفساتين كانت جد ناعمة، خصوصا أن تقنيات الليزر لعبت فيها لتنتج مخرمات جعلته يأخذ شكل دانتيل، رصع بعضها بأحجار كريستال.
وإذا كان الجلد جزءا من جينات «هيرميس»، «بوتيغا فينيتا» و«لويفي»، بحكم أنهم تأسسوا كشركات متخصصة بالمنتجات الجلدية من سروج وحقائب سفر وغيرها، فإن الكثير من بيوت الأزياء الأخرى التحقوا بها في المواسم الأخيرة، بدءا من «سان لوران» إلى «لانفان»، «ديور» وغيرهم، مما شجع على انتعاشه.
فمصممو هذه البيوت نجحوا في ترويضه وجعله سهلا وخفيفا على العين، وبالتالي قابلا للتسرب إلى شوارع الموضة، ومنها إلى خزانات المرأة التي لا تمتلك الإمكانات العالية لشراء ماركات عالمية تقدر القطعة فيها بما لا يقل عن 2000 دولار أميركي، وليس أدل على هذا من محلات «زارا» التي طرحته على شكل تنورات ببليسيهات حينا ومزجته حينا آخرا بخامات أخرى ليقتصر على أكمام معطف من الصوف مثلا، أو الجزء الأمامي من كنزة وهكذا.

همسات:

- هذا الموسم، لا تقبلي بالجلد الأسود فحسب، وإن كان هو المضمون بالنسبة لامرأة متحفظة نوعا ما، تريد أن تجرب هذه الموضة بالتدريج.
- جربي ألوانا أخرى يمكن أن تدخل الكثير من الدفء على خزانتك في فصل الشتاء، مثل الأحمر النبيذي، أو الأخضر النعناعي أو الأزرق، إلى جانب البني والرمادي والأزرق النيلي، علما بأنها من الألوان الكلاسيكية إلى حد كبير.
- إذا كنت في سن آن رومني وما فوق وتعتبرين أن ارتداء بنطلون من الجلد لا يناسب سنك أو مقاييس جسدك، فإليك به على الحواشي أو الأطراف، بل وحتى على شكل تنورة تغطي الركبة، لأنها لن تتعارض مع أي من النقاط السابقة.
- المزج بينه وبين أقمشة أخرى خفيفة وناعمة، مثل الموسلين أو الحرير، وسيلة سهلة لتخليصه من بعض الصرامة.
- عدم المبالغة فيه باعتماده من الرأس إلى أخمص القدمين، بل الاكتفاء بقطعة واحدة مثلا بنطلون ينسق مع كنزة من الصوف أو قميص من الحرير.
- بنطلون الجلد الضيق يناسب النحيفات عموما، لكن يمكن لغيرهن الاستمتاع به على شرط تنسيقه مع كنزة أو قميص طويل يصل إلى الركبة تقريبا.
- شكل الجلد مادة أساسية في حياة الإنسان منذ القدم، لأنه كان المصدر الذي يقيه من تقلبات الطقس.
مع الوقت، اكتشف أيضا أنه لا يتمزق بسهولة ويقاوم الماء ويحمي من الحر كما البرد والهواء، وتطورت استعمالاته في ما بعد ليدخل صناعة الدروع لوقاية المحاربين الرومان من أسهم الأعداء.
بالنسبة لعمليات عملية الدباغة والصباغة فتطورت في ما بعد، ويقال إن أول مشغل للدباغة أسس في القرن الثاني عشر في بريطانيا. ورغم التطورات التي شهدتها صناعته عبر القرون، فإنها وصلت أوجها في الآونة الأخيرة بفضل تطور التكنولوجيا، سواء في ما يتعلق بصباغته وإخفاء عيوبه، أو في ما يتعلق بتقطيعه لتشكيله كما أي خامة طيعة أخرى.