حمل العروس المغربية فوق «العمّارية» .. شرف وحماية والبعض يراها سحر

لعادات وتقاليد الزواج في المغرب طقوس تختلف بحسب المناطق والمستوى الاجتماعي.


وبقدر ما تختلف وتتميز جهات المغرب عن بعضها، في بعض طقوس حفلات الزواج، بقدر ما تلتقي في حرصها على إعطاء كل ارتباط بين الرجل والمرأة أهمية خاصة، بغض النظر عن المستوى الاجتماعي للمتزوجين، مع الإشارة إلى أن بعض الأسر الغنية تستغل ثراءها، لكي تجعل من حفلات الزواج مناسبة للتباهي وإبراز الرفاء الذي ترفل فيه، إلى درجة أن بعض الأعراس المغربية صار ينشطها فنانون عرب مشهورون.

ويرى المغاربة في الزواج لحظة مهمة في حياتهم كأسر وأفراد على حد سواء، فليلة الزفاف هي «ليلة العمر»، ولأجل ذلك، يتطلب الإعداد لها تهيأً قبلياً واستعداداً خاصاً، تلخصه تلك العبارة الشهيرة، التي تقول إن «عرس ليلة تدبيره عام»، وهي عبارة يحلو للمغاربة أن يرددوها كلما خاضوا في نقاش يتناول ترتيبات الزفاف، حتى تمر «ليلة العمر» في أحسن الظروف وتخلف أصداء لا تنسى بسرعة لدى الأهل والجيران، ولا تنمحي أبدا من ذاكرة العرسان.

وإمعاناً في تأكيد أهمية حفل الزواج كحدث أسري، و«ليلة العمر» كلحظة متميزة في حياة الأفراد، يعطى العريس لقبَ «مولاي السلطان» والعروس لقب «لالّة العروسة» أو «مولاتي العروسة».

كما هناك مراحل إعداد تلتقي في عناوينها ومضامينها الكبرى، وتتباين في التفاصيل والشكليات، بحيث تبدأ مع الخطوبة، لتتواصل أسبوعاً بعد ليلة الزفاف.

وجرت العادة أن يكون فصل الصيف أفضل المواعيد لإقامة حفلات الزواج، خصوصاً في العالم القروي، حيث يقترن الصيف بموسم الحصاد وجمع المحاصيل الزراعية.

ومع التحولات التي شهدها البلد، والتي طالت عادات وحياة المغاربة، صار شهر أغسطس (آب)، الذي هو شهر إجازة بالنسبة لأغلب الموظفين والعاملين في المؤسسات العامة والخاصة، أفضل وأنسب الأوقات لإقامة حفلات الزواج.

وحيث إن الصيف هو الموعد السنوي الذي يقترن بعودة المهاجرين المغاربة المقيمين بالخارج لزيارة الأهل، فإن ذلك يمنحهم فرصة حضور أعراس الأقارب أو تنظيم حفلات زواج تقليدية خاصة بأبنائهم.

وهذا من شأنه ان ينشط الحركة التجارية في البلد، ويوفر فرص عمل مهمة بالنسبة لـ«النكّافة (سيدة تتكفل بزينة ولباس العروس)»، «النقاشة» (النقش بالحناء)، «الطبالة»، «الدقايقية» (فرق موسيقية شعبية)، والفنانين الشعبيين وأرباب قاعات الأفراح والطباخين.

ورغم محافظة المغاربة على العناوين التقليدية الكبرى للأعراس وحفلات الزواج، فإن العروس صارت تزف إلى زوجها في السيارات التي عوضت الخيول، حيث يصطف أمام بيتها موكب من السيارات، قبل أن تركب العروس إلى جانب العريس في أفخر واحدة منها، تنطلق قاطعة الطريق الفاصلة بين بيت أهل العروس وبيت أهل العريس ببطء وعلى إيقاع صوت المنبهات والزغاريد.

ومن بين العادات التي تقترن بحفلات الزفاف أيضا، نجد عادة حمل العروس والعريس في «العمّارية»، في ليلة الزفاف.

وفي الوقت الذي يختلف فيه شكل «العمّارية»، بين منطقة وأخرى، نجد أن هذه المناطق تشترك في عادة حمل العروس والعريس، كلّ على حدة، والطواف بـ«العمّارية»، وهي محمولة على الأكتاف، على أنغام وإيقاعات الموسيقى الشعبية.

وتختلف الآراء بصدد أصل «العمّارية»، والمعاني الثقافية والحضارية التي تختزنها.

ويذهب الباحث مصطفى واعراب إلى القول بأنها «من بقايا طقوس سحرية ـ دينية قديمة جداً، تعود، من دون شك إلى فترة ما قبل دخول الدين الإسلامي إلى المغرب».

ويستشهد، في هذا الاتجاه، بدراسة قام بها الباحث الفرنسي «لاووست»، يضع فيها مقابلة بين سرير «لالّة منصورة»، من جهة، الذي «يعد شكلاً من أشكال الفرجة التي كانت ترافق طقوساً دينية في بعض البلدان المغاربية»، و«العمَّارية»، التي «هي عادة تقترن بحفلات الزفاف في المغرب وحده، من دون باقي البلدان المغاربية الأخرى»، من جهة أخرى.

ويشير واعراب، في رصده لعادات الزواج في المغرب في ارتباط بالمعتقدات السحرية، إلى أن عادة «لالّة منصورة»، كانت تقتضي أن يتم «الطواف»، خلال الاحتفالات الدينية، بـ«قفص مصنوع من أضلاع النخل ومغطى بأثواب لها ألوان براقة»، وأن القفص كان يحمل اسم «القوس» أو سرير «لالّة منصورة»، و«يترافق تجواله في أزقة المدينة بعزف الطبول والمزامير»، وأنه كان هناك اعتقاد يتلخص في أن «من يرفع الستار الذي يحجب عن الأبصار سرير «لالّة منصورة» يعمى في الحين».

وتحكي الأسطورة، بحسب واعراب، أن ««لالّة منصورة» كانت فتاة مخطوبة اختفت في ظروف غامضة، حينما كانت محمولة إلى بيت عريسها»، وأن العادة «لم تكن تقضي بأن يرافق «القوس» جميع مواكب الزواج»، وأن «العمّارية» كانت «مخصصة لبنات النبلاء من علية المجتمع المغربي فقط»، وكان يشيد القفص على شكل «قبة تنتشر فوق سطحها ملابس العروس ومجوهراتها التي ستحمل معها إلى بيت زوجها».

ويذهب واعراب إلى أن هذا الحفل «لم يكن إلزامياً للعموم»، وأن الأثرياء كانوا يقيمونه لبناتهم اعتقاداً منهم أن «بركة» خاصة ترتبط به.

وكانت «العمّارية»، قديماً، عبارة عن هودج من خشب يُغطى بأثواب نسائية مأخوذة من عند نسوة من أقارب وصديقات العروس، يوضع فوق بغل «بردعة»، كما «لم تكن عادة حضرية تمارس في المدن فقط، بل كان يقوم بها أثرياء البوادي ايضا من باب تشريفهم بناتهم بها»، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود اختلافات في أشكال «العمّارية»، وفي الطقوس المرافقة لها.

من ذلك مثال منطقة الغرب، التي تطلق في المغرب على منطقة الشمال الغربي، حيث «كان الناس يضعون «العمارية» فوق ظهر الفرس التي تحمل العروس، لاعتقادهم أن ذلك يجلب لزوجة المستقبل مولوداً ذكراً من حملها الأول».

ومن خلال دراسته المقارنة، يذهب الباحث الفرنسي لاووست إلى القول بأن سرير «لالّة منصورة» هو «العمّارية». الفارق بسيط بينهما ويتمثل في أن الأول كان يندرج ضمن حفل رقص تنكري شهير في ورغلة بالجزائر، وارتبط بمناسبة دينية، أما «العمّارية» فهي موكب طقوسي ينظم في حفلات الزواج بالمغرب.

وهكذا خلص لاووست إلى استنتاج أن الحفلين معاً هما من بقايا الطقوس التي كانت مرتبطة بحفل ديني أو سحري ديني بربري قديم، كان ينتهي بمأساة، حيث كانت القبائل البربرية الوثنية في المغرب القديم تحتفي بزواج آلهتها، الذي لم يكن يدوم لأكثر من الوقت الكافي للحظة حب خاطفة، يرتبط خلالها عريس، كان يجسد في المعتقدات القديمة التجدد، بعروس تمثل إلهة الخطوبة، ويتوج الاحتفال الطقوسي بتقديم الفتاة قرباناً للنار بعد حملها في هودج من الأغصان.

ويشدد واعراب على أن ما حمله على الاستطراد المستفيض في الحديث عن «العمّارية» ومقارناتها بسرير «لالّة منصورة»، هو استدراج القارئ إلى عقد مقارنة أخرى بين طقوس «العمّارية»، كما تمارس اليوم في ليلة الزفاف، من دون أية دلالة واضحة، عدا كونها ترمز إلى أن العروس فوق «رؤوس» الجميع، وأصول نشأتها الأولى التي تبددت مع الزمن.

وينتهي واعراب إلى التأكيد على حقيقة أن التطورات التي لحقت شكل «الهودج»، «مسَّت قيمته الرمزية»، أيضاً، وأن «من الناس من بات يعتقد اليوم أن رفع العروس فوق «العمّارية» يحميها من العين الشريرة، وفي منأى من اعتداءات الجان في مستقبل حياتها».