الدليل الكامل لفقدان الشهية العصابي .. مرض الذبول والتحول إلى أشباح بشرية

مرض فقدان الشهية العصابي .. دراسات تلوم الإعلام والمجتمع للضلوع فيه
مرض فقدان الشهية العصابي .. دراسات تلوم الإعلام والمجتمع للضلوع فيه

رغم كل المخاطر الصحية الخاصة بزيادة الوزن والسمنة فإنها تظل أمراضا قابلة للشفاء وأقل خطورة من الأمراض التي تقع على الجانب المواجه من معادلة الوزن، مثل فقدان الشهية (القهم) العصابي Anorexia Nervosa الذي قد يتحول إلى مرض قاتل في بعض الأحيان.


اضطراب الشهية
ويُعَرّف مرض فقدان الشهية العصابي بأنه مرض يصاب فيه الشخص باضطراب في الشهية، يرافقه فقدان ملموس في وزن الجسم.

 ويعود سبب الاضطراب إلى عامل نفسي بالأساس، يصحبه غالبا وسواس يختص بتضخيم للرؤية الذاتية للشخص المصاب (حيث يرى صورته بشكل أكبر مما هي عليه في الواقع)، مع رهبة شديدة من زيادة الوزن تظهر على المصاب في صورة رفض تناول الطعام بصورة طبيعية مع ممارسة عنيفة للرياضة إلى جانب إمكانية استخدام العقاقير الملينة أو المدرة للبول بهدف المزيد من إنقاص الوزن، وهي أمور يعد من يقوم بها مجتمعة في عداد من ينتحر ببطء.

ويصيب المرض الفتيات المراهقات بالأساس، كونهم أكثر عرضة للتأثر النفسي والبدني، فيما يعزوه العلم إلى التغيرات الهرمونية التي تدور بداخلهن في طور البلوغ، ولكن المرض لا يستثني كذلك السيدات البالغات أو الرجال أو حتى الشيوخ.

وأسباب المرض غامضة وخلافية في معظمها، وإن رجح العلماء أن الاضطرابات العصبية - الصماوية (التي تصيب مجموعة من الأعصاب ذات القدرة على إفراز الهرمونات) هي أحد أهم أسباب المرض.

وتظل العوامل النفسية والبيولوجية والجينية والبيئية في دائرة الإدانة الخاصة بالتسبب في نشأة المرض، وإن كانت الاتهامات لا تقترن بأدلة قاطعة.

كما تشير بعض المراجع العلمية إلى أن بدء الحمية، بغرض خفض الوزن عقب زيادته في مختلف الأحوال كالحمل على سبيل المثال، قد يكون أحد العوامل «المفجرة» للظاهرة في بعض الأشخاص ذوي الاستعداد المسبق لحدوث المرض، إذ يتحول لديهم إنقاص الوزن من مجرد غاية إلى هوس، مما يترسب في صورة دائرة مفرغة لا تنتهي على الإطلاق.

تجربة علمية وتظل تجربة مسغبة (مجاعة) مينيسوتا التي أجريت بين عامي 1944 و1945 أحد أبرز وأهم التجارب التي خرج منها العلماء بمعلومات ذات صلة بالمرض، حيث قام علماء من جامعة مينيسوتا الأميركية بإجراء تجارب بحثية على 36 متطوعا من الرجال بهدف اكتشاف تأثيرات الجوع الشديد على الأجهزة المختلفة لأجسام البشر، ومراقبة التغيرات التي تحدث بدقة متناهية باستخدام أحدث الأجهزة المعروفة في ذاك الوقت.

كما هدفت التجربة إلى معرفة مدى قابلية البشر للاستشفاء من المجاعات وأفضل طرق التغذية التي يتحملها الجسم عقب التعرض لمثل هذه الظروف، إذ كان العالم بأسره مهددا بحدوث المجاعات جراء تفاقم أحداث الحرب العالمية الثانية.

وكان من نتائج هذه التجربة أن كثيرا من المتطوعين الذين خضعوا لها أصيبوا بفقدان الشهية العصابي، فضلا عن باقة من الأمراض النفسية الأخرى كالاكتئاب والهستيريا، ليضع العلماء إحدى القواعد العامة في الطب منذ هذه اللحظة ومفادها أن الجوع المبالغ والمتكرر (بصورة إرادية أو لا إرادية) يؤثر حتما على الوظائف العصبية ووظائف الغدد الصماء، ويترتب عليه خلل دماغي ونفسي مؤكد، قد يصعب علاجه فيما بعد ويتحول إلى مرض مزمن أو مميت في بعض الأحيان.

ويؤكد بعض علماء النفس أن بعض المرضى لا يريدون التوقف عن خفض أوزانهم، بل إن بعضهم يصرح عند سؤاله عن الوقت الذي سيرضى فيه عن شكله ويتوقف عن الذبول، فتقول إحداهن: «أريد أن أخبو حتى أختفي، أريد أن أصبح طيفا أو شبحا»، بينما تؤكد أخرى بكل جدية: «أريد أن أقف فوق الميزان فأرى فقط صفرا كبيرا، ولا شيء سواه»!

دور الترويج للرشاقة
كما يلفت بعض العلماء إلى الدور المهم الذي يلعبه المجتمع في المرض، فالمريض غالبا ما يتأثر سلبا بالصورة التي يقدمها له المجتمع، وبخاصة ما يتلقاه عبر وسائل الإعلام ذات التأثير السيادي الخارق على نفسية البشر، عن الصورة النمطية السائدة عن الشكل المثالي للجسم.

فقد شهد المرض فترات ازدهار في عقدي التسعينات وبداية الألفية، نظرا لظهور الممثلات والمشاهير وترويج المعلنين عن الأزياء لنمط من الرشاقة، بصورة بالغة النحافة بل إنها قد تكون ملفقة ومحال الوصول إلى مثلها في بعض الأحيان إلا عن طريق خدع التصوير، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع في كثير من الحالات ذات الاستعداد المسبق.

ومثال على ذلك ما لحق بدار «رالف لورين» الأميركية الشهيرة لتصميم الأزياء من فضيحة على خلفية تصوير مواد دعائية بطلتها العارضة الرئيسية للدار فيليبا هاميلتون وقد تم التلاعب بالصور عن طريق برامج كومبيوترية مثل «فوتوشوب» لتصبح أكثر نحافة بطريقة شبه مستحيلة، وبررت دار الأزياء ذلك بأن هاميلتون كانت في ذاك الوقت قد اكتسبت مزيدا من الشحوم في منطقتي الخصر والأرداف فحاول المصورون إخفاء تلك الأمور عن طريق التلاعب بالصور، ثم قامت الدار برفتها لاحقا.

ولكن أثر مثل هذه المواد على الأشخاص ذوي الاستعداد النفسي قد يتحول إلى لجام يقود مثل هؤلاء إلى الهاوية، إذ تقول إحدى المريضات معلقة على الصور: «أعلم أنها مصطنعة، ولكن لمَ لا؟ سأحاول بكل وسعي أن أصل إلى ذاك المظهر قدر الإمكان»!! كما أسهمت الكثير من المواقع الإلكترونية، المتخصصة في مناقشة المرض، في تفاقمه.. إذ إن المشاركين في هذه المواقع قد قاموا في كثير من الأحيان بنقل خبراتهم السلبية إلى بعضهم، وتشجيع الآخرين على بذل الجهد المضاعف من أجل خفض الوزن المبالغ، ووصف الطرق غير الصحية التي يلجأون إليها من أجل بلوغ مرادهم.

وفي هذا الصدد، صدرت دراسة بحثية أميركية، وصفت بأنها التحليل الأكبر والأشمل والأكثر صرامة في هذا الشأن، تحمل نتائج خطيرة للغاية في عدد السابع عشر من يونيو (حزيران) الجاري للدورية الأميركية للصحة العامة، وتلقفتها وسائل الإعلام الشعبية كجريدة «شيكاغو تريبيون» بمزيد من الاهتمام.

وأشار الباحثون من جامعة جون هوبكنز بولاية ميريلاند الأميركية في الدراسة إلى خطورة المحتوى الذي تضمه مثل هذه المواقع الإلكترونية الاجتماعية على صحة الأفراد الأكثر عرضة للمرض، وأنها - على الرغم من براءة بعضها - تشجع غالبا ضعاف النفوس على مزاولة الانتحار البطيء عبر الوصول إلى أوزان غاية في الانخفاض.

ترويج مواقع الإنترنت
وأكدت الدراسة في متنها أن هذه المواقع، والتي تقدم في واجهتها المعلومات العلمية الخاصة بالمرض، إنما يدس بعضها السم في العسل، إذ يحاول بعض مؤسسي هذه المواقع والمشاركين فيها، بطرق صريحة أو خفية، دعوة المزيد من البشر لمشاركتهم مأزقهم الشخصي عبر الرسائل السلبية على المستوى النفسي.

وبتحليل الموقف فقد تكون هذه الدعوات غير مقصودة ممن يكتبها، ولكنه يحاول فقط أن يرى أنه ليس وحيدا في مأساته وأن هناك آخرين يشاركونه فيها، كما أنه يريد أن يدلل لمن حوله من الأصحاء أنه ليس فريدا أو غريبا، بل هو شخص طبيعي تماما وأن هناك الملايين الذين يرون الحياة بنفس المنظور. ولكن هذه الدعوات قد تكون معنية تماما من مرسليها، من منطلق إيذاء الآخرين ومحاولة تحطيم العالم كله، إضافة إلى التدمير الذاتي الذي يمارسونه على أنفسهم.

كما يحمل مضمون هذه المواقع بعض الأفكار الخطيرة للغاية كما تؤكد البروفيسورة دينا بورتسكوفسكي، الأستاذة المشاركة بوحدة الصحة - محررة الدراسة.

فببحث مضمون ومحتوى 180 موقعا نشطا تخص مرضي فقدان الشهية العصابي والنهام (صنف آخر من الخلل والاضطراب الغذائي النفسي، يقوم فيه المصاب بالإسراف في الطعام مصاحب بندم شديد واكتئاب وقد يتبعه قيء إرادي)، وجد الباحثون أن نحو 83% من هذه المواقع تحمل دعوات سلبية للانخراط في هذه الممارسات، منها طرق مزاولة الرياضة العنيفة، وطرق متطرفة للتخلص من الوزن الزائد «في مفهوم المشاركين»، كالصيام لعدة أيام أو القيء الإرادي عقب الأكل.

بينما احتوت 38% من المواقع فقط على معلومات مفيدة وإيجابية حول الاستشفاء من المرض، وتجارب الناجحين في تخطي مراحل الخطر.

سلوك «مدمن»
ويشير العلماء إلى أن مرضى فقدان الشهية العصابي هم أقرب ما يكون لمدمني المخدرات من حيث السلوك، حيث إنهم يسعون إلى تحطيم الذات والإضرار الجسيم بالنفس (سواء عن تعمد أو عن جهل)، جنبا إلى جنب مع محاولة جر المزيد من البشر لمشاركتهم مسالكهم الملتوية.

إلى ذلك، أفادت دراسة أخرى خرجت من جامعة ألينوي الأميركية بأن اضطراب المنظور الشخصي هو الباب الذي يفضي إلى هيمنة المفاهيم الخاطئة في التغذية وإتباع حميات غير صحية.

حيث أشارت البروفيسورة جانيت ليتشي، أستاذة الطب الباطني، في بحثها المنشور بدورية «صحة المراهقين» بالسابع عشر من يونيو (حزيران) الجاري، إلى أن الرؤية الذاتية المغلوطة هي أولى الخطوات التي قد يخطوها الشخص ذو الاستعداد المسبق إلى الهاوية، قائلة: «إن تشوه الصورة الذاتية في عين المريض يبدو أكثر أهمية من عوامل أخرى لنشوب الاكتئاب، بيد أن كثيرا من مقدمي الخدمات الصحية (أطباء وممرضين) لا يلتفتون إليه كما ينبغي»، ويجب التأكيد هنا على أن تشوه الصورة الذاتية هو أمر مختلف تماما عن عدم الرضا عن الشكل العام، ففي الأول يكون هناك خلل في رؤية المريض لصورته الشخصية، وتكون هذه الرؤية في الأغلب خاطئة، بينما غالبا ما يحدث عدم الرضا عن الشكل في أشخاص أسوياء يرون أنهم غير متناسقين بدنيا، ويكون رد فعلهم أقل حدة.

وتضيف ليتشيي: «المراهقون من أي وزن قد يكونون عرضة للرؤية الذاتية المشوهة، والتي تؤثر بالسلب على حالتهم النفسية والبدنية لاحقا، ولكن معظمهم يمر إلى هذه المراحل دون أن يتم ملاحظته، بكل أسف».

وأجرت ليتشي بحثها المطول على أكثر من 5 آلاف مراهقة من ذوات معدلات الأوزان الطبيعية بالنسبة لأعمارهن وأطوالهن، واستطلعت آراءهن الخاصة برؤيتهن الذاتية، مع مقارنة الوزن الفعلي لهن بالصورة المثلى المنشودة لديهن، لتكتشف أن الكثيرات من عينة الفحص لديهن ميل مبالغ لتقدير أوزانهن ويرون صورتهن أضخم مما هي عليه في الواقع، ويردن خفض أوزانهن إلى أقل من المعدلات الطبيعية عن طريق وسائل غير صحية.

كما أفادت الدراسة أن في مثل أولئك الفتيات، يرتفع معدل ممارسة الأنماط الغذائية الخاطئة ما بين ثلاثة إلى أحد عشر ضعفا للأشخاص الطبيعيين.

رصد الأعراض
ويشير البحث إلى أهمية الاهتمام باستطلاع رأي الشخص ذاته ونظرته الشخصية إلى صورته، والالتفات إلى الأعراض المبكرة التي قد تفضي إلى الأمراض النفسية الغذائية، ومتابعتها جيدا من قِبَل الأطباء وذوي الشخص المعني، قبل أن يصعب علاجها لاحقا.

ويجب أن يقوم بتشخيص المرض أحد المتخصصين النفسيين البارعين، وذلك لتشابه أعراضه وآثاره مع أمراض أخرى. ومن أبرز أعراض المرض الانخفاض الدراماتيكي في الوزن، والوسواس فيما يخص التغذية والرهبة من تلقي وجبات ذات سعرات حرارية مرتفعة، وتشوه الرؤية الذاتية فيما يخص صورة المريض، والميل إلى الوحدة والابتعاد عن الآخرين لتفادي اللوم على ما وصل إليه المريض من حال، والانخراط في مزاولة الرياضة البدنية العنيفة، إلى جانب أعراض سوء التغذية الشديدة مثل اختلال الهرمونات وسقوط الشعر وأعراض جفاف الجلد والأنيميا الحادة وضعف الجهاز المناعي العام.

أما العلاج فيتركز على ثلاثة محاور، أولها هو العلاج النفسي للأسباب الكامنة خلف الحالة، وثانيها هو التغذية السليمة واستعادة الوزن الصحي، وثالثها هو محو الأفكار السلبية والممارسات الخاطئة من عقل المريض.

وفي إطار ذلك، يتم ترتيب جلسات علاجية نفسية للمريض، واستخدام العقاقير المضادة للاكتئاب، وقد يلجأ الأطباء إلى التغذية الوريدية الكاملة في حالات معينة مثل أن يكون المريض في حالة حرجة أو أنه يرفض التعاون مع بداية العلاج النفسي.