البصل .. أخر ما أكل الرسول (ص)

البصل عند بعض الشعوب والمجتمعات اشبه بالخبز، يصعب العيش والطبخ والاكل من دونه، وهو من النباتات الاساسية والمعروفة التي تستغل في استخدامات عدة في الشرق والغرب. وقد تطورت النبتة (البعض يرجعها الى الفصيلة الزنبقية والبعض الآخر يعتبرها من الفصيلة التي تسمى النرجسية، التي تحتوى على أكثر من 90 جنساً وحوالي 1200 نوع، وغيرهم يطلق عليها اسم «الحوليات المعمرة») التي انتشرت من وسط آسيا والهند باتجاه العالم الحديث والمتوسط.


لدرجة انه صار من السهل العثور على أنواع كثيرة منها طيلة العام، خصوصا الاسباني الكبير والضخم والابيض (White Squill)، الذي يؤكل مع الحمص والفول والاحمر (Red Squill) (صبغة «الأنتوسيانين» في عصير الاوراق الخلوي يمنحه اللون) الذي يستخدم كثيرا للسلطة والطبخ، بالإضافة الى الذهبي العادي الذي يستخدم لكل الغايات. ولا ننسى بالطبع البصل الاخضر وانواع البصل الصغير المتعددة التي تنتشر في اوروبا (شالوتس).

ويسمي المصريين البصل الذي يزرع بشكل واسع على سواحل بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط بـ«العنصل» او «بصل الفرعون». ويزرع هذا النوع في الكثير من البلدان مثل إيطاليا واسبانيا واليونان والمغرب والجزائر وليبيا وتونس، والسودان ومصر وبالأخص على الساحل الشمال الشرقي في شبه جزيرة سيناء حتى رفح والعريش وعلى الساحل الشمال الغربي حتى ليبيا.

ويدعي البعض ان أشهر منطقة لزراعة «البصل الجيد في العالم على الإطلاق هي: جزيرة شندويل بسوهاج في مصر». ويوجد حاليا في الاسواق العالمية والبريطانية نوع جديد من البصل يطلق عليه اسم «سابوسيت» وهو من الانواع المأصلة حديثا لعدم اثارة دموع العينين.

و«تتمتع البصلة الجديدة بلون شاحب مميز وقشرة رقيقة تسهل إزالتها. وتنمو البصلة الجديدة في تربة يقل بها الفسفور لتقليل المواد التي تحتوي على حامض البيروفيك»، الذي ابكى الشعوب منذ بداية الزمان. التركيبة الكيميائية: المعلومات العلمية المتوفرة تؤكد ان البصل يحتوي على كميات لا بأس بها من المواد الكربوهيدراتية الذائبة، وكميات قليلة من المعادن والبروتين والفيتامينات.

«ويحتوي كل 100 غرام من البصل على 88 غراما من الماء، غرام من البروتين، 10 غرامات من الكربوهيدرات، و32 ملغم من الكالسيوم، 44 ملغم من الفوسفور،.. بالإضافة الى الكبريت والحديد ، و0.03 ملغم من فيتامين «ب1» و9 ملغم من فيتامينات «أ» و«ب» و«ج»، و40 ملغم من الريبوفلافين، كما يحتوي البصل على مادة «اللينز» التي يحتوي عليها الثوم، وعلى المواد السكرية كـ«السكروز» و«الفلافونيدات»، ومركب «الغلوكوزين» الذي يحدد نسبة السكر في الدم .

الفراعنة والطب: حول أهمية البصل التاريخية لدى بعض الحضارات والشعوب، يقول الكاتب المصري مجدي الشحات:«إنه منذ اكتشاف نبات البصل مدونا ببردية «أيبرز» الفرعونية عام 1552 قبل الميلاد، والتي تُعد أقدم الدساتير للأدوية ـ والإنسان يستخدمه، ويعرف قيمته الغذائية والعلاجية للعديد من الأمراض.

وقد سُميت البردية باسم «جورج أيبرز» عالم الآثار الألماني الذي اشتراها من أعرابي وجدها بين ركبتي مومياء مدفونة في إحدى مقابر طيبة، ولقد عثر خبراء الآثار على بصلتين في جثة «رمسيس الثالث»، واحدة كانت موضوعة في تجويف العين والأخرى تحت الإبط الأيسر»، إذ كانوا يعتقدون بان البصل يساعد الميت على التنفس عندما تعود اليه الحياة.

وقد ارتبط عندهم بإرادة الحياة وقهر الموت والتغلب على المرض، فكانوا يعلقون البصل في المنازل وعلى الشرفات، كما كانوا يعلقونه حول رقابهم، ويضعونه تحت الوسائد، وما زالت تلك العادة منتشرة بين كثير من المصريين.

ويُعتبر «امنحتب» أول طبيب عرفه في العالم، واستخدمه في علاج التلوث وعفونة البطن وانتشار الأمراض الوبائية في الصيف، وكان البصل من الحصص اليومية التي تُصرف لعمال بناء الأهرامات لمنحهم القوة والصحة لاستكمال البناء. كذلك كان البصل من بين الأطعمة التي حرص المصريون القدماء على تناولها حتى اليوم».

بالطبع، عرف اهل اليونان قديما البصل «ووصفه اطباؤهم لعدة امراض ونسجت الاعتقادات القديمة حوله خرافات كثيرة». وكان يقرأ البعض في اثينا والاقاليم المحيطة القشور الورقية الرفيعة التي تحيط بالبصل لمعرفة او رصد الاحوال الجوية، فإذا كانت عديدة ورقيقة وشفافة كان الشتاء قاسياً والعكس صحيح.

كما أكد المؤرخون في الولايات المتحدة الاميركية ان السكان الاصليين من «الهنود الحمر عرفوا البصل وتداولوا استعماله واطلقوا عليه اسم «شيكاغو» وسميت مدينة «شيكاغو» باسم البصل، ومعنى شيكاغو: القوة والعظمة».

التراث:
هناك الكثير من الشروح والتعليقات والوصفات الطبية الخاصة بالنبتة المفيدة والمكروهة ايضا لرائحتها في التراث العربي والإسلامي، وقد نصح المصلون بعدم تناوله خلال دخول المسجد تجنبا للرائحة المنفرة. وذكر البصل في القرآن الكريم مرة واحدة في قولة تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) (البقرة 61). كما روي عن أبو داود عن عائشة (رضي الله عنها) أنها عندما سُئلت عن البصل، اجابت:«إن آخر طعام أكله الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان فيه بصل».

وقال أبو بكر الرازي إن البصل يعالج احتباس البول وعسره، وإن بإمكان المريض استعمال ضمادا مكونا من البصل والكراث والسمن الحار على المعدة لتسكين الآلام. و «إذا خلل البصل قلت حرافته وقوى المعدة.. والبصل المخلل فاتق للشهوة جدا».

ويقول ابن سينا في هذا الإطار ايضا:«إن التدليك بالبصل حول موضع داء «الثعلبة» ينفع جدًا، وماء البصل يدر الطمث ويقوي المعدة». اما ابن البيطار فيؤكد في اطروحاته ان البصل يفتح الشهية على الطعام، وهو ملطف ومعطش وملين للبطن، «وإذا طبخ كان أشد إدراراً للبول».. يزيد في الباه. إن ُأكل البصل مسلوقاً، ويقطع رائحة البصل الجوز المشوي والجبن المقلي».

ويوافق الطبيب الأنطاكي الشهير مع ابن البيطار قائلا:«إنه يفتح السدد، ويقوي الشهوتين، خصوصاً المطبوخ مع اللحم، ويذهب الأيرقان، ويدر البول والحيض، ويفتت الحصى». بأية حال فإن في البصلة الواحدة التي يطلق عليها اسم «الكرة الذهبية» ما يكفي للشفاء من كل علة والتخلص من مكروه.