«الإتيكيت» .. فن أصبحت مفرداته عملة نادرة

«الإتيكيت».. فن يبحث عمن يفهمه في العصر الحديث
«الإتيكيت».. فن يبحث عمن يفهمه في العصر الحديث

لا تندهشي إذا فاجأك أحدهم بدفعة قوية تترنحين على أثرها، ويمضي مسرعا وأنت تهمين بالنزول من الباص، أو إذا ظللت واقفة وعلامات التعب والإجهاد بادية على وجهك، ولا يدعوك أحد للجلوس مكانه، أو يوسع لك عند باب المصعد، ويقول لك تفضلي حضرتك، ولو من باب الإتيكيت.


هذا السلوك الإنساني البسيط أصبحنا نفتقده كثيرا في حياتنا بإيقاعها اللاهث الضاغط فكلمات مثل: «شكرا، آسف، لو سمحت، من فضلك»، تكاد تكون عملة نادرة، وأصبح الكثيرون ممن يواجهونها يوميا يشكون من افتقادها.

فيما تؤكد همت منصور، خبيرة الإتيكيت، أننا لو حرصنا على استخدامها ستتبدل حياتنا كثيرا نحو الأفضل.

وترى منصور أن البعض قد يرون في الحديث عن الإتيكيت نوعا من أنواع الترف لكونه لفظا أجنبيا، مع أنه في الواقع لا يعني أكثر من الذوق واللباقة وحسن التصرف مع الآخرين.

وقد ظهر كاحتياج للتوصل إلى قواعد تيسر تفاعل البشر مع بعضهم بعضا، خاصة بعد اتساع رقعة الحضارة وتعدد أنماط التقدم والعمران.

وتعتقد منصور أن اللفظ الأجنبي ليس السبب الوحيد وراء ما يحمله البعض من توجس تجاه الإتيكيت وجهلهم به، وتحمل بعض الخبراء في هذا المجال جزءا من المسؤولية.

تقول: «خبراء تعليم الإتيكيت الذين يظهرون على شاشات التلفزيون كثيرا ما يتسمون بقدر بالغ من التكلف والتصنع مما يعطي فكرة سلبية للناس عن مفهوم الإتيكيت. كما يعطون فكرة معقدة ومتكلفة عنه، الأمر الذي يعقد الأمور ولا يسهلها.

وهذا قطعا غير صحيح، إذ ينبغي على الخبير التزام مظهر بسيط، بدلا من النهج السائد حاليا. فهم يظهرون على الشاشات أشبه بعارضات وعارضي الأزياء، مما يخلق انطباعا خاطئا لدى المشاهد بأن هذا الإتيكيت أمر صعب المنال».

ومن بين المتهمين الآخرين بحسب منصور، ما آلت إليه سلوكيات التعامل بين الناس في ظل تراجع الفن، خصوصا الأفلام التلفزيونية والسينمائية على حد سواء. فعلى حد قولها: «الفن القديم كان حريصا على تعليم الناس».

وبرغم أن الإتيكيت عرفته الكثير من الحضارات القديمة، بما فيها مصر الفرعونية فإن معظم قواعده الرسمية المتبعة حاليا تعود إلى البلاط الملكي الفرنسي في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وتختلف الروايات حول من ينسب إليه الفضل في تطوره ووصوله إلى صورته الراهنة، حيث ي

رى فريق أن عدم عمل النبلاء الذين عاشوا داخل البلاط الملكي الفرنسي وفر لهم الوقت الكافي لتطوير قواعد اجتماعية دقيقة. بعبارة صحيحة، فإن الأمر نبع في معظمه من رغبتهم في تجنب الشعور بالملل.

ومن ثم ابتكر هؤلاء النبلاء مجموعة من قواعد السلوك الاجتماعي المقبول وأطلقوا عليها اسم «إتيكيت»، وهي كلمة مستقاة من كلمة فرنسية قديمة تعني تذكرة.

إلا أن فريقا آخر ينسب الفضل إلى الملك لويس السادس عشر شخصيا باعتباره من صاغ قواعد تحدد السلوك والملابس الملائمة وفرضها على قصر فرساي، مطلقا عليها «إتيكيت» بهدف مساعدة النبلاء على إدراك ما ينبغي عليهم القيام به من أجل تحقيق نظام داخل البلاط الملكي.

وتعد مصافحة الأيدي واحدة، مثلا، من أوائل صور الإتيكيت، حيث كان المحاربون في العصور الوسطى يقصدون من مد أيديهم للمصافحة إلى إظهار أنه لا أسلحة بحوزتهم وأنهم جاءوا طلبا للسلام.

لكن بداية من القرن الخامس عشر حتى مطلع القرن العشرين، تعلم الأطفال قواعد الإتيكيت في المدارس، وكانت أبرز النقاط التي انصب عليها الاهتمام كيفية الانحناء على نحو مناسب أمام المعلمين، وأهمية التزام الصمت حين يوجه إليهم شخص الحديث.

المثير أنه في الوقت الذي تتباين فيه قواعد الإتيكيت من ثقافة لأخرى ومن عصر لآخر، إلا أن هناك قواعد للإتيكيت تتفق حولها كل الثقافات وتتوارثها الأجيال.

على سبيل المثال، يحرص المسلمون عامة على وضع اليد على الفم عند التثاؤب لحديث شريف يحضهم على ذلك، وكذلك تفعل شعوب الدول الغربية التي ساد بينها في العصور الوسطى اعتقاد ديني بأن الإنسان عندما يفتح فمه ليتثاءب ينفذ الشيطان إلى روحه.

ومثل كل فن، تطور الإتيكيت حاليا وتخلص من الكثير من القواعد الجامدة التي سبق واتسم بها، وأصبح يدور في الجزء الأكبر منه حول مساعدة الناس على التعامل مع بعضهم البعض في يسر.

ومن بين القواعد الصارمة التي تراجعت في العصر الحديث ضرورة خروج الرجل من السيارة ليفتح الباب لخطيبته أو زوجته كي تخرج منها.

وتحذر همت منصور من أن البعض يقع في خطأ الإتيان ببعض التصرفات غير اللائقة ظنا منه أنها من قواعد الإتيكيت، مثل الجلوس مع وضع ساق على أخرى، لما يخلقه الأمر من انطباع لدى الآخرين بأن الشخص الجالس أمامهم متعجرف ومتغطرس وربما عدواني.

ومن شأن هذا السلوك استفزاز الآخرين، والدليل على هذا أن الملكات لا يجلسن على هذا النحو قط.

وتستطرد موضحة أنه «داخل أماكن العمل تختفي إلى حد كبير قواعد الإتيكيت التي تميز النساء عن الرجال حيث تسود المساواة.

مثلا، يفرض الإتيكيت أن تسلم المرأة الجالسة على الرجل الواقف أمامها من دون أن تقف، لكن هذا لا يجوز في مكان العمل، حيث يصبح التعامل على أساس المنصب والأقدمية. وعليه، عند دخول المدير الرجل لإلقاء التحية، على الجميع رد السلام أثناء الوقوف بغض النظر عن الجنس».

وتأسف منصور على أن مصر تخلو من مدارس متخصصة لتعليم فن الإتيكيت، مشيرة إلى أن الجهود على هذا الصعيد جهود فردية تفتقر إلى التنظيم. وبطبيعة الحال، تتحمل الأسرة المسؤولية الأولى عن تعليم النشء أصول الإتيكيت واللياقة، خاصة أن الأطفال يميلون إلى محاكاة الوالدين.