الذاكرة اليقظة لدى الأطفال .. كيف تقيهم من الوقوع في هوة الإدمان؟

دراسة تجيب عن التساؤلات حول توقف بعض المراهقين عن تناول المخدرات
دراسة تجيب عن التساؤلات حول توقف بعض المراهقين عن تناول المخدرات

لا شك أن المراهق الذي يتمتع بذاكرة حاضرة وذهن متقد يكون أسعد حظا من أقرانه، سواء في الدراسة أو في الحياة العادية، في الكثير من المواقف التي تستدعي استرجاع معلومة معينة والاستفادة منها، وهو الأمر الذي يوفر الجهد والوقت في المذاكرة، فضلا عن تجنب المواقف المحرجة.
 
وأشارت أحدث دراسة عن الذاكرة اليقظة إلى أن فوائد هذه الذاكرة يمكن أن تمتد لتشمل الوقاية من الاعتماد على المواد المخدرة أو إدمانها في المستقبل. ونشرت الدراسة التي قام بها علماء من جامعة أوريغون (University of Oregon) بالولايات المتحدة الأميركية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام في الإصدار الإلكتروني من المجلة الفصلية «النمو وعلم النفس» (journal Development and Psychopathology).
 
تركيز الذهن
أشار الباحثون إلى أن الجزء الأهم في استدعاء معلومة معينة هو التركيز على الهدف المطلوب تحديدا وعدم التشتت والتفكير في أمور أخرى مما يقوى التركيز على المعلومة المراد استرجاعها. وعلى سبيل المثال إذا كان الطالب يود استرجاع معلومة متعلقة بسؤال معين في امتحان يتكون من الكثير من الأسئلة يفضل أن يقوم الطالب بحل كل سؤال بمفرده والانتهاء منه تماما والتوجه بعد ذلك إلى السؤال التالي، وهكذا.
 
ولكن في حالة إلقاء النظر على جميع الأسئلة ويمكن أن يكون هناك بعض الأسئلة التي يشعر الطالب بأنه لا يتذكرها بشكل جيد فإن هذا يؤثر عليه حتى في الأسئلة التي يتذكرها على وجه اليقين، وذلك لأن الذهن كان في حالة من التشتت.
 
وكان الباحثون قد قاموا بتتبع المراهقين بناء على الدراسات السابقة التي أجريت على البالغين الذين بدأوا إدمان المواد المخدرة في سن مبكرة، سواء الكحوليات أو الماريغوانا أو غيرها ومعظمهم كانوا من أماكن حضرية، وهو الأمر الذي جعل فريق البحث يركز على الأطفال في عمر من 11 إلى 13 عاما، وهي الأعمار التي بدأ فيه معظم المدمنين الاعتماد على هذه المواد بداية من الأدوية المهدئة. 
 
وأوضح الباحثون أن بعض الأشخاص الذين تناولوا المواد المخدرة في سن مبكرة توقفوا عن تعاطي هذه المواد لاحقا حينما أصبحوا بالغين، بينما استمر البعض الآخر في تناول هذه المواد والتحول إلى إدمانها، وكان هدف هذه الدراسة معرفة الفرق بين المسلكين.
 
وقام الباحثون بعمل اختبارات للذاكرة التفاعلية (working memory) لهؤلاء الأطفال وطلبوا منهم أن يقوموا بإبلاغهم إذا كانوا تناولوا أي مواد مخدرة في خلال الشهر وقاموا بعرض العاب إلكترونية عليهم تعرض أشكالا وأرقاما مختلفة تتطلب استدعاء سريعا للذاكرة ومحددة بالوقت. 
 
وكانت النتيجة أن المراهقين الذين مروا بتجربة تعاطي المواد المخدرة في سن مبكرة في الأغلب يميلون إلى الاستمرار في تعاطي تلك المواد في البلوغ، وخاصة أن هؤلاء الأطفال تم تتبعهم لاحقا بعد أن بلغوا سن المراهقة وثبت بالفعل أنهم استمروا في تناول المواد المخدرة، بل وازدادت معدلات تناولهم.
 
ذاكرة تفاعلية
وتميز هؤلاء بأنهم لا يتمتعون بالذاكرة اليقظة أو التفاعلية بالشكل الكافي في الاختبارات التي خاضوها في طفولتهم، بينما أقرانهم الآخرون الذين تمتعوا بذاكرة يقظة في الطفولة مكنتهم من الإجابة بسهولة عن اختبارات الألعاب الإلكترونية مع العلم بأنهم كانوا من الذين جربوا المواد المخدرة أيضا، ولكنهم لم يستمروا في تعاطي تلك المواد في البلوغ مما يشير إلى أن الاستمرار في تناول المخدرات يمكن أن يتعلق بعوامل أخرى غير المادة المخدرة في حد ذاتها.
 
وأشار الباحثون إلى أن هناك مراكز في الفص الأمامي في المخ مسؤولة عن التحكم في الاندفاع والعواطف المختلفة وتعمل بمثابة مثبطات لبعض المراكز الأخرى التي تتسبب في السلوك الاندفاعي المدفوع بالرغبة في التجربة وعلى ذلك تتحكم تلك المراكز في أفعال الشخص وسلوكه. 
 
وبطبيعة هذه المراكز المثبطة للاندفاع فإنها تدفع الشخص إلى التركيز على هدف معين بحد ذاته وتبعده عن التشتت كما في تجربة الألعاب الإلكترونية بحيث يمكنه استدعاء معلومة معينة متعلقة باللعبة في أسرع وقت ممكن.
 
وأشار الباحثون إلى أنهم من خلال تجربتهم توصلوا إلى أن الأطفال الذين لا يتمتعون بالذاكرة الفاعلة واليقظة في الأغلب يمكن أن يكونوا عرضة لتجربة المواد المخدرة سواء كانت أدوية أو مخدرات فعلية.
 
وأوضح الباحثون أن هذا الاكتشاف يمكن أن يؤدي إلى نتائج طيبة لاحقا في الحد من خطورة تعاطي المخدرات بحيث يتم تتبع الطفل منذ الصغر من عمر 3 أعوام لمعرفة إذا كان يتمتع بالذاكرة التفاعلية من عدمه ويمكن تنمية ذلك من خلال الأسرة والطبيب النفسي عن طريق تمرينات ذهنية معينة وبالنسبة للأطفال الأكبر عمرا مثل الذين شملتهم الدراسة يكون العلاج من خلال دمج الأطفال في أنشطة اجتماعية مختلفة ودفعهم لمسابقات تعتمد على تنمية الذاكرة، بحيث يتم الاحتفاظ بمعلومات معينة في مناسبات معينة ويتم استدعاء تلك المعلومات عند المسابقة. 
 
ويتم ذلك بالتدريج ويتم رصد جوائز لهذه النشاطات لتحفيز الطلاب وبجانب ذلك يمكن من خلال الأخصائي الاجتماعي تنمية مهارات التحكم في النفس والعواطف وعدم الاندفاع وأخذ القرار المناسب في الوقت الملائم ويجب نشر الوعي الكافي للآباء بأن تقوية الذاكرة للطفل يمكن أن تحقق فوائد تتعدى النجاح الدراسي وتعمل كوقاية من الإدمان.