أسباب وراثية قد تكمن خلف الإصابة باضطرابات دورة «اليوريا» في الجسم

كمبرج (ولاية ماساشوستس الاميركية): «الشرق الأوسط»  لونا هولند كانت تعمل في مدرسة متوسطة في ولاية ديليوير، عندما شعرت بانها مريضة، واعتقدت انه مجرد فيروس من الفيروسات التي اخذت تنتشر عدواها هناك. لكن، وعندما اجرت الفحوص اللازمة عليها، تبين ان الكبد لا يؤدي وظيفته بشكل طبيعي.


وبعد مضي شهور وشهور، اختفت الاعراض التي كانت تشبه الانفلونزا، وعاد الكبد الى وظيفته الطبيعية ، ولكن هولند ظلت مريضة طريحة الفراش لا تقوى على الوقوف، مع حدوث دوارن وغثيان، ولا تستطيع التركيز.

لكنها لاحظت امرا واضحا، وهو انها كلما أكلت اقل، شعرت بانها افضل حالا. وبدأت رويدا رويدا تستعيد صحتها بتناول كميات قليلة من الطعام، فاقدة نحو 15 رطلا انجليزيا (الرطل نحو 453 غراما) من وزنها في العملية هذه.

ولم تكن الاختبارات والفحوصات الموسعة التي اجريت عليها في «مايو كلينك» حاسمة، وكانت لسنوات بعد مرضها تكاد تنهار بين الحين والاخر (لم تصل الى الغيبوبة بل الى وضع قريب منها) لتنقل كل مرة الى المستشفى.

 وفي احدى المرات التي كانت في المستشفى قدمت لها وجبة عشاء من طبق المعكرونة الخالية من اللحوم وشعرت على اثرها بالتحسن، وقالت لنفسها «وجدتها وجدتها»، يا ترى ماذا حصل؟

 استقلاب البروتين لقد تبين ان وجبة العشاء حملت معها دليلا مهما، فقد كانت هولند طوال الوقت تحاول ان تستوعب ما هو الخطأ الكامن فيها.

واخيرا خرج الدكتور جون فيليبس من جامعة فاندربيلت المتخصص في الامراض الوراثية بتحليل محتمل وهو ان ما اصابها حالة تسمى «النقص (عوز) في اورنيثاين ترانسكارباميليس transcarbamylase ornithine OTC، وهو اضطراب وراثي من شأنه تغيير استقلاب (التمثيل الغذائي) البروتين بحيث ان الأمونيا، التي هي مادة سامة، تتجمع في الجسم.

وتقوم هولند التي باتت حاليا محاضرة في كلية هارفرد غرادجويت سكول اوف اوديوكيشن بتمحيص كل شئ تأكله تنقيبا عن محتوياته من البروتين، (حتى الموزة الواحدة تحتوي على غرام من البروتين) بحيث لا تتعدى حدها اليومي.

وتقول: أنا ادرك ان محتوى 33 غراما هو رقمي السحري. وهي الآن سعيدة بزواجها الذي مضى عليه 35 سنة، في الوقت الذي تقوم حاليا بوظيفتين: الاستشارات والتعليم.

وقد تنتهي القصة هنا، لكن الدكتور ميشيل موراي، رئيس قسم الامراض الوراثية السريرية في مستشفى بريغهام النسائي المرتبط بجامعة هارفرد يعتقد ان هناك الكثير من المرضى مثل هولند، اي اشخاص، لاسباب وراثية، لا يستطيعون استقلاب البروتين بشكل جيد.

وبعضهم مثل هولند قد يصابون بالمرض الشديد، لكن غالبيتهم قد يعانون، غير عالمين بالأسباب، أو قد يتعلمون عن طريق التجربة والخطأ لتفادي الاطعمة الغنية بالبروتينات، كما يقول الدكتور موراي الذي اشرف على هولند إبان مرضها.

وقد يكون من الممكن، كما يقول، ان مورثات استقلاب البروتين قد تفسر لماذا ان بعض الاشخاص قد يتحولون الى نباتيين، او قد يصبحون على الاقل ميالين الى ذلك، في حين ان الآخرين لا يفضلون سوى قطعة سميكة من اللحم البقري «الستيك» الشهي.

 الأمونيا السامة وعندما تقوم اجسامنا بمعالجة الكربوهيدرات والدهون فان الماء وثاني اوكسيد الكربون، اللذين يتخلفان عن ذلك لا يشكلان الكثير، في حين ان استقلاب البروتين يمثل من الناحية الاخرى تحديات كبيرة على صعيد تدبير وادارة الفضلات المتخلفة عنه، فالبروتين يحتوي على النتروجين، ولذلك عند استقلابه تكون الأمونيا احد النواتج. وتتكون جزيئة الأمونيا من ذرة نيتروجين وثلاث ذرات هيدروجين، لذلك فان رمزها الكيماوي هو NH3 .

والأمونيا هي مادة سامة، وفي الحيوانات اللبونة فانها تقتل حتى بتركيزات قليلة لا تتعدى الخمسة مليغرامات في كل 100 مليلتر من الدم. لذلك فان لأجسامنا انظمة واضحة للتعامل مع ذلك، فالأنسجة العضلية على سبيل المثال تقوم بتوظيب فضلات الامونيا بعناية في جزيئات الغلوتامين glutamine والألانين alanine.

وتقع اغلبية مهمات ازالة السمية عن الخلايا الكبدية، التي لها اسلوبها المعقد المتعدد الخطوات الذي يشمل عمل خمسة انزيمات، وانزيم اخر له دور داعم اساسي ومهم، لتحويل الامونيا الى يوريا، غير ضارة. وتشق هذه الاخيرة طريقها الى الكليتين، وبالتالي يجري طرحها خارجا مع البول.

وفي اغلبية الحالات تجري دورة اليوريا، كما تدعى، من دون ان نلاحظ ذلك. ولكن طفلا واحدا من بين 8000 طفل يولدون في الولايات المتحدة، يولد وهو يعاني من عيب وراثي يسبب خروج هذه الدائرة عن نطاقها، اذ تكون واحدة او اكثر من انزيمات خلايا الكبد التي عددها ستة التي تقوم بمعالجة الامونيا، معطوبة او قليلة الافراز.

 لذلك فان مثل هؤلاء الاطفال متى شرعوا في استهلاك البروتين، سواء عن طريق حليب الرضاعة، او غيره من اغذية الاطفال، فان الامونيا تبدأ بالتراكم في اجسامهم.

ونقص OTC هو الاكثر شيوعا في اضطرابات دورة اليوريا، وهو مرتبط بالكروموسوم إكس X، الذي نتيجة تحور (تشوه) في احد جينات هذا الكروموسوم.

والنساء حاملات للامراض المتعلقة بالكروموسوم، ولكنهن لا يصبن بها لكونهن لا يملكن جينا متحورا في الكروموسوم الآخر الخاص بهن (النساء يملكن كروموسومين من نوع إكس).

وهذا الكروموسوم السليم من شأنه التعويض عن تأثيرات الكروموسوم المتحور. لكن الرجال يملكون كروموسوم إكس واحد لكون الكروموسوم الآخر المكون لجنسهم هو الكروموسوم واي Y ، لذلك لا توجد نسخة اخرى غير متحورة للجين لوقايتهم من تأثيرات الجين المتحور او المتشوه.

وتشمل اساليب العلاج تقييد استهلاك البروتين وتناول العقاقير التي تمتص الامونيا الزائدة وغسيل الكلى.

 كما ان زرع الكبد هي امكانية اخرى للبعض. ومع ذلك فان معدل الوفيات من اضطرابات دورة اليوريا عالية جدا.

وتتوفر حاليا اختبارات قبل الولادة، التي يجري القيام بها فقط عندما يكون هناك تاريخ عائلي واضح.

 حمية «إتكنس» الغذائية وينظر الى الاضطرابات الحاصلة في دورة اليوريا على انها حالة نادرة وتخص الاطفال بالدرجة الاولى.

 لكن الدكتور موراي يعتقد انه قد تكون هناك مجموعة كاملة من امراض دورة اليوريا غير المعروفة والمشاكل الاخرى التي تحددها الجينات المتعلقة باستقلاب البروتين، التي يتعرض لها البالغون.

وعدم الانتظام الكلاسيكي هذا الذي تصفه كتب تعليم الطب، والذي يؤثر بشكل كبير وعنيف على الاطفال، هو نتيجة تحول كبير في جين واحد اساسي.

 لكنه يقول ان بعض الاشخاص قد يعانون من تحولات بسيطة وخفيفة، التي قد لا تبطل عمل الجين كلية، لكنها تؤثر على وظيفته بنسبة 30 في المائة تقريبا.

وقد يكون لبعض الاشخاص الاخرين العديد من الجينات المتحولة، التي قد لا تحدث تأثيرا يذكر بمفردها، لكنها معا قد تؤثر على عمل استقلاب البروتين لديهم.

وتعتقد هولند ان حالة عوز OTC لديها سببه العدوى الفيروسية، التي اصابتها، والتي سببت مرضها الاساسي. وهي تقول ان عادات اكلها لم تتغير، وانها لا تملك تاريخا عائليا يتعلق بهذا العوز.

ويقر الدكتور موراي الذي يقول انه ينظر في طلب اختبارات جينية لهولند، انه حائر من سبب اصابتها بالمرض، لكنه غير متأكد في الوقت ذاته من ان الفيروس التنفسي، الذي اصابها قد يغير من عملية الاستقلاب في الكبد بهذه الدرجة الكبيرة.

وكان الدكتور موراي، الاول الذي أقر ان افكاره هي تكهنات لا أكثر في هذه المرحلة وهو بحاجة الى المزيد من الابحاث لدعمها.

لكنه يقول ان حالة هولند وغيرها قد تؤدي الى ظاهرة اوسع، لأنه قبل سنوات قام هو واخرون من الاطباء في مستشفى بريغهام النسائي بعلاج امرأة باتت مريضة جدا بعد ان اخضعت نفسها لحمية «إتكنس» الغذائية (التي يجري فيها تناول البروتينات بكثرة).

 وكان من الواضح جدا انها كانت حاملة لعوز OTC ، فقد توفي لها ابنان من المرض عندما كانا يافعين.

ويبدو ان البروتين العادي في الوجبة العادية لم يزعجها البتة، لكن عملية الاستقلاب لديها، اغرقت بكميات كبيرة من البروتين الناجمة عن حمية «إتكنس»، بحيث ان معدلات الأمونيا لديها قفزت بشكل كبير.

ولاحظ الاطباء ان بعض النساء اللواتي يحملن حالة عوز OTC تظهر عليهن الاعراض، ربما لان الجين الجيد لا يؤدي عمله هو الآخر جيدا.

 لكن الحكمة التقليدية تقول ان ذلك يحدث فقط في 15 في المائة فقط من الحاملات لهذا العوز. غير ان الدكتور موراي يعتقد ان النسبة هي اكثر بكثير وفقا الى كيفية التعريف بهذه الاعراض.

وفي عام 2006 نشر تقريران، واحد في مجلة «لانسيت» والاخر في مجلة «نيو إنغلند الطبية»، يصفان مرضى جرى ادخالهم المستشفى بعدما اخضعوا انفسهم الى نظام «إتكنس» الغذائي.

 ولم يكن احد من هؤلاء المرضى معرضا الى عوز OTC او خلل في دورة اليوريا، لكنهم بالتأكيد كانوا يشكون من عيب في عملية الاستقلاب.

ولكن اذا كانت التحولات التي تؤثر على استقلاب البروتين هي امر شائع فلماذا لا نرى الكثير من الاشخاص المرضى، لاسيما ان ملايين من الناس يحاولون وجبات غذائية غنية بالبروتين، مثل نظام حمية «اتكنس» مثلا؟ هناك ربما تفسيران ممكنان، الاول ان العديد من الاشخاص الذين تخلوا عن النظام الغذائي هذا قد فعلوا ذلك بسبب المشاكل التي لا يمكن تحريها واستقصاؤها، التي افرزت اعراضا مبهمة، لكنها غير مريحة. الثاني ان الاطباء لم يكونوا ينظرون الى هذا الامر، فاختبارات الامونيا لا تطلب عادة الا اذا كان المريض يشكو من مرض معروف في الكبد.

وهو اختبار صعب ومحير، فما لم يكن الدم محفوظا في مكان بارد وجرى الفحص بسرعة كبيرة، فان النتائج لا تكون مضمونة وتأتي مضللة وعالية.

وينظر الدكتور موراي الى اليوم الذي تستخدم فيه الفحوصات الجينية بشكل روتيني لتشخيص الاضطرابات الطفيفة في دورة اليوريا والمشاكل الاخرى التي تعترض استقلاب البروتين، وربما عملية الاستقلاب برمتها بشكل عام.

الا ان الامر يحتاج الى مزيد من الابحاث. الا انه يعارض انفاق اي مال على الاتجاه الحالي لتقرير انواع الوجبات الغذائية، بناء على فحوصات الحمض النووي (دي إن أيه)، لان الكثير من هذه الحميات الغذائية يباع على الانترنت، لكن هناك القليل من المعلومات الموثقة لدعم مثل هذه التصورات، كما يقول. ويضيف: «اعتقد اننا سنصل الى هناك.. ولكننا لم نصل بعد!».