رائدة الجينات المسببة للسرطان .. تتحدث عن رحلتها العلمية

جانيت ديفيسون راولي البالغة من العمر 85 عاما هي رائدة علم الوراثة الحديث واكتشفت الكروموسومات المكسورة ودوره
جانيت ديفيسون راولي البالغة من العمر 85 عاما هي رائدة علم الوراثة الحديث واكتشفت الكروموسومات المكسورة ودوره

الدكتورة جانيت ديفيسون راولي البالغة من العمر 85 عاما هي رائدة علم الوراثة الحديث المتعلق بمرض السرطان. ولولا النتائج التي توصلت إليها في السبعينات من أن الكروموسومات المكسورة التي ينتقل جزء منها إلى آخر كانت من عوامل الإصابة بسرطان الدم، لم نكن لنحصل على علاج لسرطان الدم المنتشر حاليا.


وقد تحدثنا في بداية فصل الشتاء بمكاتبها بجامعة شيكاغو وكذلك في منزلها في هايد بارك الذي تعيش فيه مع زوجها دونالد راولي، الباحث في علم الأمراض البالغ من العمر 62 عاما.

في ما يلي مجموعة منقحة ومكثفة ومجمعة من المقابلات التي أجريت معها:
لم تبدئي باحثة في علم الوراثة، بل طبيبة. هل كان توجهك إلى البحث العلمي مصادفة؟

- هذا صحيح، فخلال السنوات الأخيرة من فترة الخمسينات لم أعمل سوى لبضعة أيام كطبيبة في عيادة بمستشفى مقاطعة كوك للأطفال المصابين بالتأخر العقلي، وكنت مضطرة للعمل بدوام جزئي بسبب أطفالي الصغار. وفي عام 1961، حصل زوجي على بعثة إلى إنجلترا من جامعة شيكاغو وكنت في حاجة إلى إيجاد ما يشغلني هناك.

وقد كنت معنية بالأمراض الوراثية نظرا لعملي مع الأطفال المصابين بتأخر عقلي، واكتشف أن متلازمة داون ترتبط بوجود نسخة إضافية من كروموسوم رقم 21.

لذا قام صديق لي بتقديمي إلى لازلو لاجتزا، العالم في أمراض الدم بجامعة أكسفورد، الذي كان يقوم بعمل تمهيدي خاص بنسخ خلايا نخاع العظام. وقد سمح لي بالعمل في مختبره في إطار توسيع عمله على نسخ الكروموسومات الذي كنت مهتمة به وكذلك معرفة مزيد عن هذا المجال الناشئ وهو دراسة بنية الكروموسومات.

أبحاث الوراثة السابقة
ماذا كان وضع البحث الخاص بعلم الوراثة عام 1961؟

- لقد كان بعيدا كثيرا عن إحداث ثورة، فقد كان هذا يعقب اكتشاف واطسون وكريك (للحمض النووي «دي إن إيه») بأقل من عقد. وبدأنا حينها فقط نعرف شكل الحمض النووي، حيث لم تكن تتوافر وسائل مناسبة لصبغه وتقسيمه وفحصه ومعالجته.

لكن رغم القدرات التكنولوجية المحدودة، فإنه تم إحراز بعض التقدم، حدث أهمه عام 1960 عندما اكتشف بيتر ويل وديفيد هانغرفورد من فيلادلفيا أن حجم الكروموسوم لدى الكثير من المرضى المصابين بابيضاض الدم النقوي المزمن وهو من أمراض سرطان الدم، صغير يبلغ نصف الحجم الطبيعي للكروموسوم.

وطبقا لما تم التعارف عليه في ذلك الوقت، عرف ذلك بكروموسوم فيلادلفيا. لقد استمتعت بالعمل في المختبر مع لاجتزا وقررت أن أحاول الحصول على وظيفة أخرى بدوام جزئي في مجال البحث العلمي عند عودتي إلى شيكاغو.

كيف قررت أن تفعلي ذلك ومؤهلاتك في مجال البحث العلمي محدودة؟
- لقد كنت مشتركة في نشر ورقة بحثية بالاشتراك مع لاجتزا عن نسخ الحمض النووي في الكروموسومات في مجلة «نتشر». على الأقل كان لدي هذا.

وما فعلته هو الذهاب إلى ليون جاكوبسون، مدير مستشفى «أرغون» لأبحاث السرطان التي تم تمويلها بمنحة من لجنة الطاقة الذرية، فهو لديه الكثير من الأموال.

وقلت له: «لدي مشروع بحثي بدأته في إنجلترا وأود الانتهاء منه. هل يمكنني العمل هنا بدوام جزئي؟ كل ما أحتاجه هو مجهر وغرفة مظلمة. لكن هل ستدفع لي؟ فعلي الحصول على مرتب مناسب». ووافق على كل شيء.

في مرة من المرات في المستشفى، طلب مني الدكتور جاكوبسون، الاختصاصي في أمراض الدم، فحص عينات لمرضى سرطان الدم. ورأينا تحت المجهر كروموسومات غير طبيعية كثيرة أو قليلة جدا في مجموعة رغم أنه من الصعب تمييز الواحد عن الآخر نتيجة عدم توفر التكنولوجيا اللازمة لذلك.

هل أدى هذا في النهاية إلى اكتشافك المهم لعملية الإزفاء (التموضع الكروموسومي المختلف أي انتقال أجزاء من الكروموسوم من موقعها إلى موقع آخر) chromosome translocations عام 1972؟
- بالفعل. رغم اضطراري للذهاب إلى إنجلترا مرة أخرى حتى أحقق ذلك. وحصل زوجي عام 1970 على بعثة أخرى إلى جامعة أكسفورد. وفي حين كنا نوشك على الرحيل، ظهرت تقنية الصبغ الجديدة التي أتاحت صبغ المادة الوراثية بنوع محدد من الأصباغ قبل فحصها تحت المجهر الفلورسنتي.

وقد أظهر ذلك الاختلافات مما أتاح تمييز كل كروموسوم عن الآخر. وكان هناك شخص يستخدم هذه التقنية في جامعة أكسفورد. وتمكنت من استخدام المجهر الفلورسنتي خلال الفترات المسائية وعطلات نهاية الأسبوع لدراسة ما كنت أعمل عليه. وفي نهاية البعثة، تأكدت من إمكانية معرفة المزيد عن الكروموسومات التي رأيناها على العينات المأخوذة من مرضى سرطان الدم.

وهكذا اكتشفت عمل التموضع الكروموسومي المختلف؟
- لقد بات من الممكن استخدام أشكال من الأصباغ للتمييز بين الكروموسومات. وبمجرد وصولي إلى شيكاغو، فحصت مجموعتين مختلفتين من الكروموسومات التي يتقارب حجمها وشكلها من مرضى ابيضاض الدم النقوي المزمن. ووجد أن الكروموسوم رقم 8 ورقم 21 كانا مكسورين ونهايتهما متبادلتان ويعد هذا أول تموضع مختلف.

في حين فحصت الصور الفوتوغرافية لخلايا ابيضاض الدم النقوي المزمن إحداها مصبوغة والأخرى غير مصبوغة. يمكنك رؤية أن الكروموسوم رقم 9 به قطعة إضافية.

لقد كان هذا جزءا من كروموسوم فيلادلفيا الذي انفصل. على عكس ما كان يعتقد؛ كان كل من كروموسوم فيلادلفيا وكروموسوم رقم 9 مكسور ونهاياتها متبدلة وهذا يعد التموضع المختلف الثاني.

وهل هذا كانت نتيجة ثورية في علم الوراثة؟
- وكذلك للسرطان أيضا. وكان بالطبع هناك حاجة إلى معرفة المزيد، مثل لماذا أدى ذلك إلى مرض سرطان الدم؟ إلى أي مدى كانت هذه النتائج متسقة؟ وقد اكتشفت في مختبري عام 1977 ترجمة ثالثة محددة لنوع نادر من سرطان الدم وهو ابيضاض سرطان الدم النخاعي الحاد. وهو ما أوضح أن ما لاحظناه مع الصبغيين الآخرين لم يكن خللا. وفي نهاية السبعينات كان هناك اتفاق على أن السرطان مرض وراثي.

عقاقير السرطان
يقال أحيانا إن معجزة الدواء «غليفيك» Gleevec الذي أثبت فاعليته في مقاومة أنواع أخرى من السرطان لم يكن لينجح لولا عملك. هل هذا صحيح؟

- لقد كان هذا كرما منهم، لكن كان يجب المرور بمراحل كثيرة قبل هذا الاكتشاف. يتهمني الناس بالتواضع، لكن النظر من خلال مجهر على كروموسومات مصبوغة ليس علما معقدا. لو لم أكتشفه، كان بالتأكيد سيكتشفه شخص آخر.

هل تعتقدين أن طابع المجال الذي كنت تعملين به ممكن اليوم؟
- لا، فقد كنت أجري بحوث تقوم على الملاحظة. إن هذا محكوم عليه بالفشل إن كنت تبحث عن تمويل هذه الأيام. نحن نركز هذه الأيام على البحث القائم على النظريات وإن فعلت ما فعلته في الماضي، سيكون هذا بمثابة «بعثة صيد سمك» أي أمرا سيئا للغاية.

لقد اكتشفنا معلومات عن كروموسوم فيلادلفيا وبعد تقنية الصبغ توفرت تكنولوجيا لاكتشاف المكاسب والخسائر في ما يتعلق بالكروموسومات المختلفة.

هذا مثل «الصيد» لعدم وجود نظرية. إذا لم تكن تعرف أي شيء، لا يمكنك الخروج بنظرية رشيدة. لقد ظللت أقول إن الصيد أمر جيد، فأنت تصطاد لأنك تريد أن تعرف ما يوجد هناك.