صناعة الساعات السويسرية تواجه أزمتها بالتفاؤل

يعتبرون الأزمة «فرصة للتطوير» وتقديم المزيد من الجمال
يعتبرون الأزمة «فرصة للتطوير» وتقديم المزيد من الجمال

«نعم، هناك أزمة مالية. نعم، قد يكون هناك تراجع في المبيعات في الوقت الحالي بسبب الخوف من الأزمة، لكننا في دار «آ. لانغه أوند زونه» عاصرنا أزمات وحروبا عديدة، وهزتنا تذبذبات اقتصادية قاسية على مدى أكثر من قرن؛ ولم نُهزم أو نتأثر. لذلك، فإننا لا نفكر في الأزمة المالية كثيراً، بل نعتبر هذه الفترة فرصة للتطوير وتقديم الأحسن»، هذا ما قاله فابيان كرون، الرئيس التنفيذي لدار الساعات العريقة الألمانية الأصل السويسرية الملكية خلال المعرض السنوي للساعات الفاخرة الذي أقيم في جنيف هذا الأسبوع.


الرأي نفسه كرره العديد من رؤساء دور الماركات الأخرى، الذين شدّدوا أيضاً على أنهم «يحتمون من شظايا الأزمة بإرثهم العريق، واحترامهم للزمن»، مثل أنجيلو بوناتي، الرئيس التنفيذي لدار ساعات «بانيراي. بوناتي»، الذي قال لـ «الشرق الأوسط» خلال لقائها معه «إنه رغم الأزمة، لم تتأثر بانيراي كثيراً، لأن منتجاتها موجهة إلى نخبة كلاسيكية الذوق ومقتدرة مالياً من الزبائن من جهة، ولأنها ـ كدار صانعة ـ تحترم القيم القديمة، ولا تجري لاهثة وراء آخر صيحات الموضة؛ مما يجعلها ـ إلى حد ما ـ بمنأى عن الأزمة».

المقصود هنا أن الموضة قد تتأثر، لكن سوق الساعات الفاخرة، التي يقدّر سعرها بآلاف الدولارات، وأحياناً بالملايين، لها سوقها الخاصة، وهواتها وزبائنها الذين قد تجعلهم الأزمة الراهنة يفكّرون قبل شراء أي قطعة، لكنهم حتماً لن يحجموا عن ذلك، لاسيما أن هذه الساعات تعتبر بالنسبة لهم تحفاً واستثمارات على المدى البعيد.

ومع هذا، يبدو أن للأرقام رأياً مغايراً، حيث جاءت لتعكس تفاؤل صناع الساعات. ومما لا شك فيه أن نسبة المبيعات تراجعت في بداية العام الجديد بشكل ملحوظ، وهذا يعني أن الوقت عصيب، حتى بالنسبة للمنتجات المترفة، وإنْ كان الأمل يبقى قوياً في أنها ستستعيد عافيتها بسرعة كبيرة بالمقارنة مع غيرها من السلع.

ثم إن القطع التي طرحت في جنيف، سواءً فيما يتعلق بالساعات أو المجوهرات الفخمة، كانت بجمال وترف وأناقة تجذب الأنظار، وتجعل الواحد ينسى كل ما يجري خارج أسوار المعرض المحصنة.

وهذا، ربما، ما يراهن عليه العديد من الصناع. ففي الأوقات العصيبة نحتاج إلى ما يغني حياتنا ويضفي عليها بعض البريق والأمل، وليس هناك بالطبع ما هو أفضل لرفع المعنويات من المجوهرات والساعات التي أصبحت مصممة على شكل قطع مجوهرات، لكي تقوم بهذه المهمة على أحسن وجه، لاسيما أن فكرة الاستثمار فيها تخفف من عقدة الذنب عند شرائها.

ولا شك أن كلاً من فابيان كروني من «آ. لانغه أوند زونه» ونيكولاس بوس مدير التسويق الدولي في دار «فان كليف اند أربلز» كانا على حق عندما صرحا أنها «فترة للتطوير» والبحث عن أسواق جديدة، إلى أن تخرج هذه الصناعة من الأزمة، وهي أقوى من قبل.

وهذا ما عبر عنه أيضاً برنار فورناس، من «كارتييه» في تصريح أدلى به خلال المعرض، حين قال إن «الترف الحقيقي موجود، والأزمة المالية غيرت الكثير من نظرة المستهلك إليه وطريقة اقتنائه والحصول عليه.

فعندما يشتري الناس اليوم أي قطعة، فهم يفعلون ذلك، وهم أكثر واقعية وقسوة مع أنفسهم في بحثهم عن الماركة التي يمكن أن تدوم أكثر».

ومن دون أن ينكر فورناس أن هناك أزمة حقيقية تخيم على الأجواء، فهو يرى أن الأمل للخروج منها بأقل الخسائر موجود أيضاً، وهو دافع قوي لإعطاء المزيد. في عامه الـ 19، ضم المعرض 17 ماركة، منها ما ينضوي تحت راية مجموعة «ريشمون فينانسيير»، مثل «فاشرون كونستانتان»، و«آ لانغه أوند زونه»، و«كارتييه»، و«بياجيه»، و«جيجير لوكوتر وبانيراي»، و«آي دبليو سي»، و«بوم إيه ميرسييه»، بجانب «بارميجياني فلورييه»، و«جيرار بيريغو»، و«جان ريشار»، و«أوديمار بيغيه»، و«روجيه ديبوي».

أما الجديد فيه، إلى جانب الساعات والمجوهرات طبعا، فتغيير تاريخه ـ لأول مرّة ـ من أبريل (نيسان) إلى يناير (كانون الثاني).

وجاء التغيير لسببين مهمين: الأول أنه كان من الصّعب تنظيم المعرض في تاريخه المعهود، لأنه سيتزامن مع (معرض جنيف الدولي للسيارات) ذي الشهرة العالمية، خصوصا أن معرض الساعات يحتاج إلى حجز المكان قرابة شهر أو أكثر، لتنظيم ركن كل ماركة، ووضع الديكور المناسب لها، وغيرها من التفاصيل، التي أكد المعرض أنه يديرها بدقة ميكانيكية الساعات السويسرية.

 وحتى في حال حفاظ المعرض على تاريخه المعهود، فالفارق الزمني بينه وبين معرض (بازل وورلد) الشهير للساعات أيضاً، في مدينة بازل، سيكون 15 يوماً، الأمر الذي سيجعل العديد من وسائل الإعلام والمهتمين بالساعات تضطر للمفاضلة بينهما.

أما السبب الثاني، فتجاري محض، وهو أن تقديم تاريخه سيمنح صناع الساعات المشاركين وقتاً كافياً لعرض منتجاتهم، ثم طرحها في السوق خلال العام. وهذا أمر مهم جدا، خصوصا في ظل الأوضاع المالية الحالية.

 وجولة سريعة في المعرض، تؤكد أنه يعكس ثقافة الفخامة، بدءًا من إبداعاتها، إلى تصميم كل ماركة للركن الخاص بها، الذي استوحته في الغالب، إما من إرث الدار، أو من التأثيرات التي ستغلب على آخر ابتكاراتها المطروحة.

ماركة «آي. دبليو. سي.»، على سبيل المثال لا الحصر، اختارت الماء وأعماق المحيطات كخلفية، وتحديدًا جزر غالاباغوس، لكونها تدعم منظمة «تشارلز داروين لحماية البيئة»، فيما اعتمد رالف لورين، على صور لكل ما يتعلق بالحياة، من موضة وديكور وغيرها لجذب الأنظار.

وتجدر الإشارة إلى أن المصمم الأميركي المخضرم يشارك في المعرض لأول مرة، وتأتي مشاركته نتيجة انضمامه، أو بالأحرى تعاونه مع مجموعة «ريشمون» لطرح ساعات فخمة تحمل كل بصمات الصناعة السويسرية الراقية والمتطورة، الأمر الذي تعكسه أسعارها التي تقدر بآلاف الدولارات. فهذه ليست مجرد ساعات موضة، لكونها تحمل اسم مصمم أزياء عالمي، بل ساعات تخاطب النخبة وهواة اقتناء الساعات، لتقنياتها السويسرية العالية.

من جهتها طرحت دار «بياجيه» ساعة «بولو 45» التي استلهمتها من مجموعة «بولو» الأيقونية، وحقنتها بجرعة سخية من الأناقة المعاصرة.

وتتميز الساعة بأنها أوتوماتيكية بعلبة من التيتانيوم، وهذا تطور جديد لساعة تعودنا أن تكون دائماً من الذهب (عيار 18 قيراط). «مونبلان»، من مجموعة «ريشمون»، طرحت بدورها ساعة «أوتوماتيك سبور كرونوغراف دي.إيل. سي»، وهي ـ كما يدل اسمها ـ ساعة رياضية، مقاومة للخدش، ومصنوعة من الحديد الصلب، وبعلبة مغطاة تماما بمادة فحمية تتميز بخاصيات تشبه تلك التي يتمتع بها الألماس؛ مما يجعلها قوية وأنيقة في الوقت ذاته.

كما طرحت ساعة «ستار 4810 كرونوغراف أوتوماتيك»، التي يصل قطر علبتها إلى 44 ملم، وهي مصنوعة من الحديد الصلب المصقول، الذي يتناغم بطريقة رائعة مع الميناء المزركش المموج والأرقام الرومانية، مع العلم أنها ستطرح أيضا بنسخة من الذهب الوردي، أما الإسورة فمصنوعة من جلد التمساح.

وبالنسبة لجديد «آ لانغه أوند زونه»، فإنه جاء، كما قال فابيان كروني تماماً، بالتلازم مع احترام تقاليد الدار الألمانية التي أسست في عام 1815، إذ احتفت بمؤسسها مع تغيير في حجمها لعام 2009.

ففي حين كانت يصل قطر علب الساعات القديمة إلى 36 ملم فقط، مع العلم أنها كانت ساعة جيب آنذاك، فإن حجم النسخة الجديدة في مجموعة الدار يخاطب ذوق العصر، ويصل إلى 40 ملم، كما أنها تأتي بالذهب الوردي والأصفر والأبيض، فضلا عن البلاتين.

ويبقى القول، إن داري «فان كليف أند أربلز»، و«كارتييه» أتحفتا الحضور بساعات، كل ما فيها ينطق بالجمال، إلى جانب مجوهرات تصيب بدوخة لذيذة، تجعل الوقوع ضحية لجمالها سهلا.

وهذا هو غاية المُنى بالنسبة لكل الماركات المشاركة في الصالون العالمي للساعات الفخمة هذه السنة، التي رفعت شعارا قويا، مفاده أن قراءة الزمن فن لم يتوقف، ولن يتوقف عن التطور، مع احترام شديد للإرث الذي خلفه الأجداد والمؤسسون.

 فالساعات قد تكون من المنتجات التي بدأت عملية، لكنها حتما أصبحت تحفا وفنا قائما بحد ذاته مع مرور الوقت، وفي زمن تراجعت فيه وظيفتها العملية لصالح الجمال والأناقة.