Top

موقع الجمال

شارك

تحت المجهر

قريبًا سيكون للذكاء الاصطناعي مشاعر وآمال وحقوق .. فهل نحن مستعدون؟

تاريخ النشر:14-03-2017 / 01:59 PM

قريبًا سيكون للذكاء الاصطناعي مشاعر وآمال وحقوق .. فهل نحن مستعدون؟

يبدو أنه عليك الاستعداد لسماع المزيد من الأخبار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، فسواء كنت ممن يغالون في النظرات اليوتوبية الخيالية، أو التشاؤمية، أو لا، فإن القرن الحالي، القرن الحادي والعشرين، سيجري تحديده وتشكيل ملامحه، ليس فقط من خلال التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات والحوسبة وعلم الأعصاب الإدراكي، ولكن الأهم هو كيفية إدارتنا لهذه التكنولوجيا المتقدمة.

بالنسبة للبعض، فإن السؤال الأساسي هو ما إذا كان الجنس البشري سيعيش لرؤية محاور القرن الـ22 محددة على هذه الأسس السابقة أم لا، هل سيكون القرن القادم عبارة عن تحكم كامل لهذه التكنولوجيا في حياتنا؟ وفي حين أن التنبؤ بقرب وجود مستقبل مرتكز حول الذكاء الاصطناعي، ما يزال موضوعَ نقاش مكثف، إلا أننا سنحتاج -في لحظة ما- إلى التصالح مع هذه الفكرة، ومع هذه التكنولوجيا.

في الوقت الراهن، هناك العديد من الأسئلة أكثر من الأجوبة المتاحة.

البرلمان الأوروبي يبدأ
ومع ذلك فإنه من الواضح أن البرلمان الأوروبي شق طريقه نحو اتخاذ فكرة المستقبل المرتكز على الذكاء الاصطناعي على محمل الجد، ففي شهر فبراير (شباط) 2017، صوتت لجنة الشؤون القانونية في البرلمان للبدء في صياغة مجموعة من الأنظمة التي تحكم تطور واستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وكانت نتيجة التصويت 17 موافقة، مقابل صوتين رافضين.

وكان مدرجًا في مسودة هذا الاقتراح توجيه أولي يخص ما يمكن أن نطلق عليه «الشخصية الإلكترونية»، التي من شأنها أن تكفل الحقوق والالتزامات المقابلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا، ويبدو أن هذه هي بداية فقط، ولا شيء أكثر من ذلك.

إذا ما وجدت نفسك داخل نقاش يدور حول قضية الشخصية «الإلكترونية» أو «الروبوتية»، فربما أنت تفهم مقدار الغموض المتعلق بمثل هذه القضايا، وكيف تكون ردود الفعل نحوها، وإذا لم تكن قد دخلت في مثل هذه النقاشات من قبل، فالآن هو الوقت المناسب للبدء في الاهتمام بها.

فكرة وجود شخصية للروبوت تشبه مفهوم الشخصية للشركات، وهي التي تسمح للشركات بالمشاركة في القضايا القانونية سواء كمدعٍ أو مدعى عليه على حدٍّ سواء، وهو ما يجعلك تقاضي شركة ما أو تقاضيك هي، وحدد التقرير المتعلق بهذا الاقتراح البرلماني عددًا من مجالات الرقابة المحتملة، مثل تشكيل هيئة أوروبية للذكاء الاصطناعي والروبوتات، ووضع تعريف قانوني لـ«الروبوتات المستقلة الذكية»، وهو نظام لتسجيل تلك الأنظمة الذكية الأكثر تقدمًا، ونظام التأمين الإلزامي للشركات لتغطية الضرر والأذى الناجم عن الروبوتات.

ويتناول التقرير أيضًا إمكانية أن كلًّا من الذكاء الاصطناعي والروبوتات سوف يسبب خسائر هائلة في الوظائف، وتدعو إلى تقييم «جدي» لجدوى الدخل العالمي الأساسي كاستراتيجية للحد من الآثار الاقتصادية الناجمة عن التحويل الأوتوماتيكي الشامل للقطاعات الاقتصادية بأكملها.

نحن والروبوتات
هذه التحديات تبدو مرعبة إلى أقصى حد، وهو ما جعل المشرعين والسياسيين والمحاكم يبدؤون في «كشط» السطح فقط لمثل هذه النوعية القادمة من المشاكل، والفرص التي يمكن أن يسببها الذكاء الاصطناعي، والروبوتات.

نعم، نعرف أن السيارات بدون سائق هي إشكالية، لكنها تمثل مشكلة في العالم حيث توجد فيه السيارات التقليدية. إذا ما أبعدت هذه السيارات التقليدية عن الطريق، وعن المدينة والدولة والأمة، أو عن قارة بأكملها ليكون السكان مالكين لسياراتهم بدون سائق فقط، فإن الأمر سيكون معتادًا بشكل أساسي دون أي مشاكل.

نحن لسنا هنا في مجال لانتقاد مدى جدوى أنظمة الذكاء الاصطناعي العامة، أو حتى صندوق باندورا هذا الذي يعد جهاز محاكاة للدماغ كلها، إذ يتم إجراء نسخة برمجيات اصطناعية قائمة على العقل البشري الذي يعمل ويتصرف بصورة مطابقة لتلك التصرفات البيولوجية الخاصة بالبشر. لذلك دعونا نفرض فقط مدى الجدوى الفنية لها، ونتخيل عالمًا حيث تتواجد روبوتات واعية معدة حسب الطلب، وروبوتات أخرى تمثل نسخًا من أنفسنا كبشر متشربة بنسخ رقمية كاملة ومثالية من أدمغتنا تدور، وتعمل حولنا، ويمكنها أن تشاهد برامج نتفليكس، وتشعر بالبرد.

وبالطبع نحن في غنى عن ذكر أن تكوين وخلق نسخ منفصلة، و​​قابلة للتحويل، وقابلة للتعديل من البشر، تتجسد في شكل روبوتي هو أمر يشكل تحديات قانونية نظرية وعملية. على سبيل المثال، سوف تحتاج القواعد والأسس الرئيسية لإبرام العقود إلى عملية تحديث لاستيعاب العقود؛ إذ يمكن أن يكون أحد الطرفين هو نسخة رقمية من إنسان بيولوجي.

إذا ما أردنا إبرام عقد باسم جين سميث، على سبيل المثال، فإن هذا الاسم ينطبق على كل من جين سميث البيولوجي، والنسخة الرقمية لها؟ وبالتالي يجب توضيح من الشخص المستفيد من هذا العقد بالضبط.

نفس هذا السؤال سنضطر لتوجيهه في ما يتعلق بمسائل الزواج، والنسب، والحقوق الاقتصادية، والممتلكات، وهكذا دواليك. فإذا ما كان الروبوت هو عبارة عن نسخة مجسمة للوعي البيولوجي، التي تملك كل الخبرات والمشاعر والآمال والأحلام والضعف والخوف نفسه الخاص بالأصل البيولوجي، فعلى أي أساس تتشكل حقوق النسخة الروبوتية إذا ما أشرنا في المقابل إلى أنظمة الحقوق الخاصة بالإنسان البيولوجي؟

هذا الأمر يبدو وكأننا نعيش في حالة افتراضية عبثية، لكن كل هذه «السخافات» ستتحول إلى واقع في القريب، وبالتالي لا يمكننا تجنب مثل هذه المعضلات، أو التغاضي عنها.

وهناك أيضًا مسألة أخرى مهمة تتعلق بما هي الحقوق الأساسية التي يجب أن تحصل عليها، فهل تتبع النسخة البيولوجية للأصل البيولوجي في ذلك؟ على سبيل المثال، كيف ينبغي تخصيص الأصوات الانتخابية عندما يوجد لدينا نسخ هويات اصطناعية للناس يجري إنتاجها بشكل رخيص، مما يجعلنا أمام مخاطر حشو صناديق الاقتراع بالأصوات طالما يمكنك إنتاج الكثير من النسخ لك، أو لأناس بتيار سياسي معين.

السؤال هنا: هل يجب أن تتاح لكل نسخة التصويت بشكل مستقل، أو أنها ستمثل كسرًا أو جزءًا من الصوت الانتخابي للفرد طبقًا لعدد النسخ الموجودة منه؟ إذا كان الروبوت هو ملكية لشخص ما، فهل ينبغي أن يكون لها أي مطالبة أخلاقية بالتصويت تعبيرًا عن نفسها، وليس عما يريده المالك؟

هل ستكون هناك حقوق قابلة للتحويل إلى نسخ احتياطية في حالة وفاة الأصل البيولوجي؟ ماذا يحدث عندما تصبح النسخ رخيصة جدًّا، وسريعة، وفعالة لدرجة أن قواعد الناخبين كاملة يمكن أن تنشأ في نزوة من المرشحين السياسيين الأثرياء، ولكل منها المطالبة الأخلاقية الخاصة بهم للتصويت الديمقراطي؟

ما هو شعورك حول قاعدة ناخبين تتألف من مليون نسخة روبوتية من شخص يدعى جاك سميث؟ حاول أن تتذكر كل ذلك النقاش في الولايات المتحدة حول التزوير.

تخيل هذا التزوير بعدما حصل بالفعل على جرعة منشطات قوية. أي نوع من المصالح الديمقراطية من شأنه أن يعطي للأشخاص غير البيولوجيين التي تتميز بأنها ليست عرضة للشيخوخة أو العجز أو الموت؟

هل يمكنك النوم الليلة وهذه الأسئلة تدور في رأسك؟ حاول أن تتخيل هذا المستقبل.

تفكير عميق
هذه أمور رائعة بشكل لا يمكن التكهن به أو تصديقه، وسوف تؤدي بالتأكيد إلى تغيرات اجتماعية وقانونية وسياسية واقتصادية وفلسفية كبرى، لدرجة أنها ستصبح محور النقاشات والجدالات في البرلمانات والمنظمات الدولية وغيرها، ولأن هذه المشاكل ستكون بالتأكيد هي محور حياتنا القادمة، فينبغي أن نبدأ التفكير بعمق أكثر عن الذكاء الاصطناعي والروبوتات، أكثر من مجرد سيارات بدون سائق، واستيلاء على وظائفنا.

وإذا ما كنت متبنيًا لأي نظام ليبرالي لحقوق الإنسان، فإنك بالتأكيد ستتوصل إلى استنتاج مفاده «نعم، ينبغي منح أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة حقوق الإنسان إذا ما أخذنا تفسيرًا متشددًا للأسس النظرية والفلسفية التي تعتمد عليها».

لماذا يكون من الصعب جدًّا قبول هذا الاستنتاج؟ ما هو الذي يجعل الكثيرين منا يشعرون بعدم الارتياح، أو بالتهديد؟ تمتع البشر بإعلان استخدام الذكاء البيولوجي الحصري، ونحن نستخدم أنفسنا كما المعيار الذي يجب أن يحكم جميع أجهزة الذكاء الأخرى.

في مستوى واحد، الناس يشعرون بعدم الارتياح إزاء فكرة منح الشخصية الروبوتية حقوقًا، منح أشخاص غير بيولوجيين حقوقًا مثلهم مثل البشر، لأن هذا قد يعني أننا كبشر سنصير في طبقة أقل مما اعتدنا عليه، وهو السيطرة والبقاء على قمة هرم الكائنات.

في الواقع، فإن تقاليدنا الدينية والفلسفية المتأصلة بعمق تدور حول فكرة أننا في الواقع كريستالات جميلة وفريدة من نوعها، مشبعة بشرارة الحياة، والقدرات التي تمكننا من تجاوز الأنواع الأخرى والتفوق عليها. هذا أمر مفهوم.

على صعيد آخر، فإن فكرة الشخصية الروبوتية -لا سيما بالأخذ في الاعتبار موضوع التصويت- يجعلنا غير مستقرين لأنه يقودنا إلى التساؤل عن مرونة وقابلية تطبيق القيم الأكثر قداسة لدينا، وهذا صحيح بشكل خاص في زمن «الأخبار الوهمية»، و«الحقائق البديلة»، والتآكل التدريجي لصرح الدولة الديمقراطية الليبرالية. مع كل تقدم جديد في الذكاء الاصطناعي، نحن نقترب أكثر وأكثر من الحساب، ليس حساب أنفسنا فقط، ولكن حول ما إذا كان لدينا القوانين والمفاهيم القانونية، والأسس التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية المناسبة حقًّا للتصدي للعالم الجديد الذي بدأ يتشكل حولنا.

وبالتالي فإن الخيارات والإجراءات التي نتخذها اليوم فيما يتعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي سيكون لها آثار تحدد الطريق الذي سنسلكه في المستقبل، ويقع على عاتق كل واحد منا التعامل مع ما يجري، لفهم آثارها والبدء في التفكير فيما إذا كانت جهود مثل تلك التي يقوم بها البرلمان الأوروبي ليست مجرد عملية ضخ مياه جديدة في أنابيب قديمة صدئة.

لا يوجد بالطبع علم خاص بالمستقبل، ولكن يمكننا أن نرى أفضل في المستقبل ونفهم أين سوف ينتهي بنا الحال من خلال التركيز أكثر باهتمام على الحاضر، والقرارات التي نتخذها عن المجتمع عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا.