Top

موقع الجمال

شارك

غذاء

علماء النبات يستخدمون الإشعاع لاستنباط مواد غذائية جديدة للبلدان النامية

تاريخ النشر:21-12-2017 / 12:00 PM

علماء النبات يستخدمون الإشعاع لاستنباط مواد غذائية جديدة للبلدان النامية

سحب بيير لاغودا من جيبه كل محتوياته وفرشها فوق مكتبه. كانت هناك أربعة مكعبات من النرد رماها معا حتى توقفت أمامه. قال الدكتور لاغودا: «هذا ما تفعله الطبيعة». فنتائج رميات الزهر العشوائية تكشف كيف أن التحولات الفورية تخلق تنوعا يحدد مسار التطور والاستيلاد الانتقائي.

رمى قطع الزهر مرة أخرى. وفي هذه المرة كان يقلد ما ظل يقوم به هو وزملاؤه في شتى أنحاء العالم لأكثر من نصف قرن: استخدام الإشعاع لدفع المادة الوراثية داخل المحاصيل نحو التغير، وهذه عملية تنتج هذه التحولات الوراثية مثل منتج «الكريب فروت» الأحمر أو الكاكاو المقاوم للمرض أو الشعير الاستثنائي الخاص للويسكي الاسكوتلندي.

قال لاغودا وهو يلعب بقطع النرد الأربع: «أنا أقوم بالشيء نفسه. أنا لا أقوم بأي شيء مختلف عما تقوم به الطبيعة. أنا استخدم أي شيء غير موجود في المادة الوراثية نفسها».

ويرأس الدكتور لاغودا مصنعا للاستيلاد والمورثات في «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وهو فخور بنفسه كبائع متجول جيد. وقد يكون عمله صعبا جدا عند أخذ مخاوف الجمهور بنظر الاعتبار حول الإشعاع والمخاطر الناجمة عن الغذاء المتلاعب بمادته الوراثية. وعمله يجمع ما بين الحقلين لكنه مع ذلك تمكن من تحقيق ازدهار فيه.

ولا تترك العملية أي بقايا إشعاعية أو أي علامات ناجمة عن التدخل البشري. فهي ببساطة تخلق جيلا جديدا من المحاصيل بخصائص جديدة.

وعلى الرغم من قلة ما يعرف عن استيلاد أنواع محسنة من المحاصيل عن طريق استخدام الإشعاع فإنه توجد هناك آلاف المنتجات المتحولة بفضل الإشعاع على صعيد العالم. وقال لاغودا إنه من ضمن هذه المتحولات هناك أنواع مختلفة من الرز والحنطة والشعير والكمثرى والقطن والنعناع ودوار الشمس والفول السوداني والكريب فروت والسمسم والموز والمنيهوت والسرغوم. وتستخدم الحنطة المتحولة بواسطة الإشعاع للخبز والباستا أما الشعير المتحول فيستخدم في صناعة البيرة والويسكي ذي النوعية الجيدة.

وقال الدكتور لاغودا إن «التحولات التلقائية هي محرك التطور. نحن نقلد الطبيعة في هذا المجال. نحن نركز الوقت والمكان للمولِّد كي يقوم بعمله خلال فترة حياته. نحن نركز حول الكيفية التي تظهر وفقها المتحولات من خلال احتمالات تصل ما بين 10 آلاف إلى مليون كي نختار الشيء الصحيح».

ويستخدم استيلاد فصائل غذائية جديدة في البلدان النامية بفضل جهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وضمن البلدان المستفيدة بنغلاديش والبرازيل والصين وكوستاريكا ومصر وغانا والهند وإندونيسيا واليابان وكينيا ونيجيريا وباكستان وبيرو وسري لانكا والسودان وتايلاند وفيتنام.

ويقول علماء النبات ان الاستيلاد باستخدام الاشعاع يمكن أن يلعب دورا مهما في المستقبل. وبتعزيز مرونة الحبوب يمكن أن يطعم مليارات الأفواه المضافة على الرغم من تقلص الأرض والماء، وارتفاع تكاليف النفط والأسمدة الكيماوية، وزيادة استنزاف التربة، والمقاومة المتزايدة من الحشرات للمواد الكيماوية القاتلة لها، والتغير المناخي. وعلى المستوى العالمي ترتفع اسعار الأغذية بصورة سريعة.

وقال جي. نيل روتغر مدير مركز بومبرز ديل القومي لأبحاث الرز في شتوتغارت بولاية أركانساس «ان ذلك لن يحل ازمة الغذاء في العالم. ولكنه سيساعد. ويستخدم مولدو النباتات المعاصرون كل وسيلة يمكنهم الحصول عليها».

وقد اكتشفت هذه الطريقة قبل ما يقرب من 80 سنة عندما استخدم لويس ستادلر من جامعة ميسوري أشعة أكس من أجل تعريض بذور الشعير للاشعاع. وكانت النبتات الناشئة بيضاء وصفراء وصفراء باهتة وكان لبعضها خطوط بيضاء، ولم يكن هناك شيء ذو قيمة عملية.

ولكن الامكانية كانت جلية. فبتعريض اعداد كبيرة من البذور والنبتات الفتية أنتج العلماء مزيدا من التحولات ووجدوا قليلا من التحولات الايجابية المخفية. فقشرة الفول السوداني باتت اكثر صلابة. والشعير والشوفان والحنطة أصبحت تعطي غلالا أكثر. والزبيب الأسود أكثر نموا.

وقد أدت العملية مفعولها لأن الاشعاع مزج على نحو عشوائي المادة الجينية للنبتات. وتمكن العلماء من التحكم بكثافة الاشعاع وبالتالي مدى الضرر ولكن ليس النتيجة. ومن أجل معرفة النتائج التالية تعين عليهم زراعة المادة التي تعرضت للاشعاع وتركها تنمو ومن ثم دراسة النتائج. وفي الغالب كان زحف الجينات يقتل البذور والنبتات او يتركها في اطار تحولات غريبة. ولكن في حالات قليلة حققت العملية فوائد.

وفي سنوات خمسينات وستينات القرن العشرين شجعت الولايات المتحدة تلك الطريقة كجزء من برنامجها الذي حمل اسم «ذرات من اجل السلام» وحققت نجاحات ملحوظة. وفي عام 1960 أتلف المرض الى حد كبير حبوب الفاصوليا في مشيغان، باستثناء نوع جديد واعد نشأ عبر الاستيلاد باستخدام الاشعاع. وسرعان ما حل محل الفاصوليا القديمة.

وفي أوائل السبعينات أطلق الدكتور روتغر، الذي كان عندئذ في ديفيز بولاية كاليفورنيا، اشعة غاما على الرز. ووجد وزملاؤه متحولات شبيهة بالأقزام أعطت غلالا أكبر بكثير، ويعود جزء من ذلك الى انها أنتجت مزيدا من الحبوب.

وقال الدكتور روتغر انه في الوقت الحالي يستمد ما يقرب من نصف الرز المنتج في كاليفورنيا من هذه النوع القصير. وقال هذا العالم المتقاعد في منطقة وودلاند بولاية كاليفورنيا انه يعيش على بعد أميال قليلة من المكان الذي تنمو فيه الأنواع الجديدة. قال الدكتور لاغودا ان هناك فطرا يهدد الكمثرى اليابانية، إلا ان هناك مقاومة في فرع شجرة لم تتعرض لإشعاع، وأشار الى ان اليابانيين استنسخوه وبدأوا انتاج محصول جديد وسددوا من قيمة الجوائز المالية تكلفة البحث لفترة ثلاثين عاما.

وكانت الوكالة الذرية بفيينا قد ساعدت علماء على محاربة فيروس يقتل أشجار الكاكاو في غانا، التي يدخل انتاجها من الكاكاو في 15 بالمائة من الشوكولاتة في العالم. وكان هذا الفيروس قد تسبب في القضاء على الملايين من أشجار الكاكاو.

وفي أكرا، عاصمة غانا، عرّض العلماء في مختبرات «لجنة الطاقة الذرية الغانية» براعم نبات الكاكاو لأشعة غاما. تضمنت المتغيرات الناتجة عن هذه العملية نبات لديه مقاومة افضل للفيروس. وجرى في وقت لاحق زرع هذا النبات المقاوم في 25 مزرعة في مختلف أنحاء غانا، ولم يظهر أي نمو للفيروس مرة اخرى. حققت وكالة الطاقة الذرية نجاحا مماثلا في الانديز ببيرو، حيث يعيش ثلاثة ملايين شخص على الزراعة. تتسم هذه المنطقة بطقس قاس، إلا ان تسعة أنواع جديدة من الشعير ساعدت في تحسين الحصار الى درجة انه بات لدى المزارعين فائضا في المحاصيل للبيع.

وفي عام 2006 حصلت البروفيسورة غومز باندو على جائزة في البيرو مكافأة لها على مجهوداتها وأعمالها في مجال المنتجات الناجمة عن التغيير نتيجة الإشعاع.

وفي فيتنام عملت الوكالة عن كثب مع علماء محليين بغرض تحسين انتاج الارز، الذي يعتبر غذاء لحوالي 70 بالمائة من السكان. وقال هؤلاء العلماء ان هذه الأنواع الجديدة من المنتجات قد تركت أثارا اقتصادية واجتماعية واضحة وساهمت في القضاء على شبح الفقر في بعض المحافظات.