تحذير .. لحوم الأسماك النيئة قد تسبب سرطان الكبد

حذر الباحثون من تايلاند من مغبة إقبال الكثيرين على تناول أطباق لحوم الأسماك النهرية النيئة، نظراً لارتفاع احتمالات تسبب ذلك بعدوى الطفيليات المفلطحة fluke. وهي التي قد ينتج عنها ظهور الإصابة بسرطان الكبد.
وقال الباحثون إن الديدان المفلطحة تستوطن أنهار المناطق المختلفة في تايلاند وفيتنام ولاوس وكمبوديا وكوريا والصين. وانها تجد طريقاً ممهداً وسهلاً للدخول إلى جسم الإنسان حينما يتم تناول أطباق شعبية تحتوي على لحوم الأسماك النهرية النيئة.


وهذا ما يُضاف إلى الحديث العلمي المتكرر عن المحاذير الصحية لتناول أطباق السوشي المحتوية على قطع ساشيمي للحوم الأسماك النيئة.

* دراسة تايلاندية ووفق ما تم نشره في العاشر من هذا الشهر، ضمن العدد الأخير لمجلة مكتبة العلوم الطبية العامة journal PLoS Medicine الصادرة في الولايات المتحدة ، قال الباحثون إن غالبية الناس لا يشعرون بأية أعراض آنية قد تدل على إصابتهم بعدوى الطفيليات هذه. لكنها تصل إلى أجزاء الكبد وتستوطن فيه، ثم لا تظهر الأعراض إلا في مراحل تالية من العمر على هيئة الإصابة بسرطان الكبد.

وقام الدكتور بانشوب سريبا، من قسم علم الأمراض في كلية الطب بجامعة كون كيين في شمال تايلاند، بدراسة استمرت عشرين عاماً حول علاقة الإصابة بعدوى الأنواع الخطرة من الديدان المفلطحة، المستوطنة مناطق شمال وشمال شرقي تايلاند، في لحوم الأسماك النهرية النيئة الموجودة في أطباق كيو- بلا الشعبية جداً هناك.

وقال بأن أقل من 1% من الناس الذين يُصابون بهذه العدوى الطفيلية ستحصل لديهم لاحقاً الإصابة بسرطان الكبد. لكن ونظراً للملايين من الناس الذين يُقبلون على تناول أطباق كيو- بلا في تايلاند وكمبوديا وفيتنام وغيرها، فإن الإحصائيات الحديثة تدل على أن أكثر من 6 ملايين إنسان في تايلاند وحدها مُصابون بهذه الديدان المفلطحة.

وأضاف بأن التوقف عن تناول هذه الأطباق المُعدة من لحوم الأسماك النهرية، والتي يتم تناولها نيئةً، هو أسهل طريق لمنع الإصابة بتلك العدوى الطفيلية. وأوضح أن هذه الطفيليات المفلطحة تصل إلى القنوات المرارية في الكبد، وتُثير هنالك عاصفة من التفاعلات الكيميائية لمركبات سايتوكين cytokine storm. وهو نوع من التفاعلات المناعية immune response التي يقوم بها أفراد جهاز مناعة الجسم في محاولاتهم القضاء على تلك الطفيليات المفلطحة الواصلة إلى أجزاء الكبد. لكنها نوع من التفاعلات العمياء الهوجاء التي تُدمر فيها الأجزاء المحيطة بتلك الطفيليات من أنسجة الكبد نفسه، وليس فقط تلك الطفيليات الدخيلة.

* الإصابة بالسرطان وقال إن ثمة آليتين لحصول الإصابة بسرطان الكبد نتيجة استيطان هذه الطفيليات في أجزاء الكبد، الأولى هي أن الطفيليات هذه لديها مضختان للمص تلتصق بهما على أجزاء الكبد. ولذا تعض على طبقة الخلايا السطحية لبطانة مجاري القنوات المرارية، ما ينتج عنه تكون قروح سطحية مزمنة ومتعاقبة طوال السنوات التالية لدخولها إلى تلك المناطق الداخلية الحساسة في الجسم. والثانية هي إثارتها، لمجرد وجودها، لتفاعلات الحساسية في أجزاء مناطق القنوات المرارية. واستطرد قائلاً، كلما أثار أحد هذين الأمرين مزيداً من التفاعلات الكيميائية لمركبات سايتوكين، ارتفعت احتمالات نشوء الخلايا السرطانية في قنوات مجاري المرارة بالكبد. والإشكالية المهمة هي أن سرطان الكبد لا يتم تشخيصه عادة إلا في مراحل متقدمة جداً لأن الأعراض الناجمة عن وجوده لا تبدو إلا متأخرة بعد تكون حجم كبير من ذلك التورم السرطاني. ولذا فإن غالبية من يتم تشخيص إصابتهم يكونون في المرحلة الرابعة المتقدمة من سرطان الكبد. وهم الذين لا يسع الأطباء تقديم الكثير إليهم نظراً لتفشي المرض، وينالون بالتالي فقط رعاية طبية ملطفة ومسكنة palliative care وليس رعاية طبية للقضاء على أصل المرض curative care . وغالبية الوفيات للأسف تحصل خلال الستة أشهر الأولى من تشخيص الإصابة، وان نسبة احتمالات البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد تشخيص الإصابة هي صفر.

* الأسماك النيئة وثمة مخاطر صحية من تناول اللحوم النيئة عموماً، والأسماك وغيرها من الحيوانات البحرية لا تُستثنى من هذا على الإطلاق. بل تظل لحومها النيئة تحمل مخاطر احتوائها على طفيليات وبكتيريا وفيروسات. وتتطلب الطهي الجيد للتخلص منها ما أمكن. ومع ذلك يُمكن تناولها نيئة إذا ما خضعت للتجميد. ووفق قوانين الاتحاد الأوروبي، فإن تجميد السمك إلى درجة حرارة 20 درجة مئوية تحت الصفر ولمدة 24 ساعة كفيل بقتل الطفيليات فيها. في حين ترى إدارة الغذاء والدواء الأميركية أن التجميد إلى درجة 35 درجة مئوية تحت الصفر لمدة 15 ساعة كفيل هو أيضاً بتحقيق ذلك، أما حال الاكتفاء بالتجميد عند درجة حرارة 20 درجة مئوية تحت الصفر، فإن الأمر يتطلب الإبقاء عليها لمدة سبعة أيام لتحقيق المطلوب من القضاء على الميكروبات في الأسماك أو الحيوانات البحرية.

وتقول الإدارة في عموم نصائحها حول تناول الأسماك وغيرها من الحيوانات البحرية لعموم الناس، إن من الأفضل دوماً طهي الأطعمة البحرية جيداً قبل تناولها، للتقليل من مخاطر عدوى الأمراض جراء تناولها نيئة. ومع ذلك لو أراد المرء تناولها نيئة، فعليه تناول ما تم مسبقاً تجميده. لأن بعض أنواع الأسماك يُمكن أن يكون ملوثاً بالطفيليات، والتجميد أحد وسائل القضاء عليها. إلا أن على الإنسان تذكر أن التجميد بحد ذاته لا يقضي على كل الميكروبات، ولهذا فإن الطهي أفضل وسيلة لتنقية اللحوم تلك من الميكروبات عموماً.

وتقول الإدارة إن بعضاً من الناس عُرضة بشكل أكبر لمخاطر تلوث الأطعمة، والبحرية منها على وجه الخصوص. ولذا عليهم عدم تناول اللحوم البحرية النيئة مطلقاً، وعدم تناول ما تم طبخه جزئياً منها، وأيضاً عدم تناول أي من القشريات على وجه العموم. وهم الحوامل والأطفال الصغار وكبار السن ومن لديهم ضعف في جهاز المناعة ومن لديهم تدن في حمضية إفرازات المعدة. كما أن على هؤلاء بالذات أيضاً عدم تناول اللحوم البحرية المُدخنة حينما تُقدم نيئة، مثل أسماك السلمون المُدخنة أو القواقع أو غيرها. حتى ولو تم تجميدها مسبقاً نظراً لاحتمال احتوائها على ميكروب ليستيريا المتسبب بمرض ليستيريوسس listeriosis.

وطهي السمك كما يقول الباحثون من مايو كلينك يكون بتعريض جميع اجزاء السمكة، وصولاً إلى الداخلية الملاصقة للعظم، لحرارة 63 درجة مئوية (145 فهرنهايت) لمدة لا تقل عن ربع دقيقة. أي الذي يفصل لحم السمك إلى طبقات واضحة ويبدو لونها ضبابياً، والذي أيضاً يُحيل لون لحم الروبيان أو اللوبستر إلى الأبيض الحليبي، والذي كذلك يُؤدي إلى فتح أصداف المحار.

* أطباق السوشي.. ليست براقة كما تبدو
* تنتشر اليوم في العالم مطاعم تقديم وجبات الأسماك والحيوانات البحرية النيئة. وتشير الموسوعات العلمية إلى أنها ليست خاصة بالمطابخ اليابانية أو الكورية أو الصينية وغيرها من مناطق شرق وجنوب شرقي آسيا، ففي مناطق من أوروبا عموماً تُقدم أسماك الأنشوفة أحياناً نيئة للتناول، وكذلك شرائح أسماك السلمون والرنجا. وتُقدم شرائح سمكة السيف وسمكة التونا نيئة في بعض الأطباق الإيطالية.

ويعتقد الكثيرون أن تناول الشوسي يعني تناول السمك النيئ. لكن الحقيقة هي أن سوشي Sushi تعني الطعام المصنوع من الأرز المُضاف إليه الخل، سواء أُضيف إلى ذلك شرائح من سمك نيئ أو لم يُضف إليها ذلك. في حين أن شرائح لحم السمك النيئ أو غيره من الحيوانات البحرية كالروبيان، تُسمى ساشيمي usashimi.

وإن كان البعض في المناطق العربية لا يزال ينظر إلى تناول السوشي والساشيمي كمظهر للتطور في تذوق أنواع الطبخ الياباني والصيني، إلا أنها إحدى تقليعات تناول الأطعمة الغريبة التي ثمة حولها إشكاليات صحية، تحتاج إلى تدقيق في مدى إعدادها بطرق صحية.

والملاحظات الصحية المتعلقة بتناول ساشيمي، لحوم الأسماك النيئة، متعددة، إذْ الأصل في السوشي هو تهيئة تناول الساشيمي بطريقة معقولة. ولإيضاح الأمر فإن السوشي يعني إعطاء فرصة لحصول التفاعل الكيميائي بين سكريات الأرز مع بروتينات لحوم الأسماك النيئة من خلال إضافة الخل إلى الأرز المسلوق وغمر لحوم الأسماك النيئة فيه لفترة زمنية معينة. ثم بعد حصول التحلل الجزئي لبروتينات لحوم الأسماك النيئة واكتسابها من الأرز والخل نكهة وطعماً يُسميه اليابانيون بالـ "ياممي" umami، باعتباره النوع الخامس من أنواع الطعم. أي بالإضافة إلى الحلو والحامض والمر والمالح. وكان اليابانيون في الأصل يتناولون لحوم الأسماك تلك بعد هذا كله دون تناول الأرز الممزوج بالخل. والمعتقد اليوم أن الطريقة القديمة لليابانيين في السابق كانت كفيلة بالقضاء على الميكروبات في لحوم الأسماك النيئة. وهو ما يُمكن من تناولها دون أي تبعات صحية مستقبلية.

لكن لضرورات تسويقية ولتحبب الشعوب الأخرى في تلك الأطباق اليابانية، تطورت طرق إعداد السوشي باستخدام الساشيمي النيئ، ووصلنا إلى طريقة مُطورة لا علاقة لها بالسوشي الأصلي. وأصبحت اللحوم النيئة للأسماك والحيوانات البحرية تُضاف كطبقة الغطاء على كتلة هندسية من الأرز الياباني الممزوج بقليل من الخل. ومن النادر أن تتأثر كامل تلك الطبقة من لحم الأسماك النيئة بالخل.

ولذا حينما راجع الأطباء في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا هذه الطرق في تقديم لحوم الأسماك نيئة بكل معنى الكلمة، فإنهم حاولوا إيجاد حلول تُؤمن قدراً معقولاً من نقاء اللحوم هذه من الميكروبات وفي نفس الوقت تسمح بإبقاء تلك الأطباق على طريقتها في الإعداد. وكان اشتراط أن يتم تجميد لحوم الأسماك أو غيرها إلى درجات متدنية من الحرارة ولمدة أيام، ثم الحرص الشديد على إزالة التجميد عنها ببطء شديد وليس بسرعة. وذلك لضمان القضاء على الطفيليات وليس الفيروسات أو بعض من أنواع البكتيريا.

ولأنه، لا ضمانة حتى اليوم في اتباع هذه الإرشادات بدقة، فإن العديد من المصادر الطبية العالمية لا تزال تحبذ وتُذكر الناس بأن من الأفضل ترك تناول السوشي المحتوي على ساشيمي.